تصاعد الحديث عن "البترو يوان" مع اتساع استهلاك الصين للنفط وزيادة وارداتها، لكن رغم نجاح بكين في توسيع استخدام عملتها في بعض معاملات النفط خاصة في بورصة شنغهاي، فإن المرجعية السعرية ما تزال تسيطر عليها الأسواق المقومة بالدولار. فـ"اليوان" لا تمتلك العمق الكافي في السيولة وشبكة المتعاملين وحرية انتقال الأموال، ما يجعل رحلة التحول في أولى الخطوات. وتوسيع استخدام الرنمينبي في الدفع لا يعني أن الصين انتزعت بعد مرجعية تسعير النفط من الدولار، بقدر ما يعني أنها تبني موطئ قدم داخل نظام ما يزال الدولار يحدد قواعده.
بورصة تعكس ثقل أكبر مستورد للنفط
تُعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم وثاني أكبر الدول استهلاكا له بعد الولايات المتحدة، لذا اتجهت قبل نحو عقد إلى تأسيس بورصة شنغهاي لتداول النفط بعملتها المحلية، وبخامات تناسب خصائص وارداتها، إذ أن خامي برنت وغرب تكساس الوسيط لا يعكسان بصورة كبيرة خصائص النفط الذي تستورده بكين، والذي يتميز غالبا بكثافة متوسطة وطبيعة حامضة، بخلاف الخامات الغربية الأخف والأقل احتواء على الكبريت.
ورغم وجود مرجعيات آسيوية قائمة مثل عُمان/دبي، سعت بكين إلى تطوير مرجعية تسعير محلية تنسجم بخصائص وارداتها النفطية وثقلها في الطلب العالمي، وتمنح المصافي المحلية والمتعاملين أداة أقرب إلى التحوط واكتشاف الأسعار داخل السوق الصينية، بدل الاكتفاء بمرجعيات خارجية بعيدة عن طبيعة سوقها ولا تُسوّى بعملتها.
ومن هنا أنشئت البورصة ليتداول فيها عقد خام "SC" بحجم ألف برميل للعقد، وبتسليم فعلي في مرافق تخزين، ما يمنحه صلة مباشرة بالسوق المادية لا بالمضاربة فقط. كما تسمح البورصة بتسليم عدة خامات متوسطة الحموضة، مع فروقات سعرية محددة، ضمن إطار تداول واضح ومنظم وشفاف.
العملة المحلية .. ميزة داخلية وقيد خارجي
تداول العقود بالرنمينبي عامل جذب للمحليين، لكنه عُدَّ أيضا عائقا أمام تحول العقد إلى مرجع دولي، وفقا لدراسة لـ"أكسفورد للطاقة". كما تشير الدراسة أن اكتساب المرجعية يتطلب انفتاحا أوسع على المتعاملين الأجانب وحرية أكبر لحركة الأموال.
وتبدو شنغهاي أكثر تقنينا في دخول الأجانب، ما يجعل الدخول إليه أقل سهولة من أسواق مماثلة، إلى جانب المراجعة المزدوجة، أي أن الأجنبي لا يكتفي بفتح حساب عبر وسيط، بل يمر أيضا بفحص من جهة رقابية تشغيلية، ثم مراجعة من البورصة نفسها قبل البدء في التداول.
أما على مستوى الأموال، فقد أظهرت مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد أن هناك عوائق أمام التبني الواسع للرينمينبي. فمشاركة الأجانب في الأسواق المحلية، واستثمارات المقيمين في الخارج، لا تزالان خاضعة لقيود.
"البترو يوان" .. مرجعية صاعدة لا سوق مستقلة
اكتشاف السعر يمثل إحدى الوظائف الأساسية للعقود الآجلة في الأسواق، أي توليد مرجع سعري يختزل في لحظة واحدة معلومات العرض والطلب والمخزونات وتكاليف النقل والتوقعات الجيوسياسية، بما يتيح للمتعاملين التسعير والتحوط وبناء قراراتهم التشغيلية والاستثمارية على إشارة سوقية مستمرة.
وكلما اتسعت قاعدة المتعاملين وارتفعت السيولة، أصبح السعر أكثر كفاءة في انعكاس المعلومات وأقوى كمرجع للتسعير والتحوط.
ويعزز اتساع قاعدة المتعاملين وارتفاع السيولة في برنت موقعه القيادي في اكتشاف السعر، وهو ما يظهر أيضا في الفارق الكبير في أحجام التداول بينه وبين خام شنغهاي. إذ بلغ حجم تداولات العقود الآجل المرتبطة برنت في بورصة "ICE" و "NYMEX" نحو 363 مليار برميل في 2025، في حين تميل عقود شنغهاي حجم تداولاتها أقل نسبيا، عند نحو 39 مليار برميل.
لذلك تستقبل بورصة الطاقة في الصين جانبا مهما من المعلومات السعرية المتولدة في خام برنت، وتعيد ترجمتها ضمن سياق السوق الآسيوية عبر عقود شنغهاي وتؤثر في مسارها السعري.
الدولار يعزز موقعه في تسعير النفط
لا ترتبط هيمنة الدولار في التجارة الدولية بحجم الاقتصاد الأمريكي وحده، بل ببنية مالية متكاملة تراكمت على مدى عقود. حيث عمقت الأسواق المالية الأمريكية، واتساع الأصول الآمنة المقومة به، وارتفاع سيولته، وانتشار استخدامه في التمويل التجاري والاحتياطيات الرسمية، إلى جانب وضوح السياسة المالية والنقدية وثقة المتعاملين بالنظام المؤسسي، وحرية انتقال الأموال.
كما أن اتساع استخدامه أوجد أثر الشبكة، حيث ترتفع تكلفة الانتقال إلى عملة بديلة كلما ازداد عدد المتعاملين بالدولار في السوق. ولهذا بقي النفط وغيره من السلع مرتبطا في الغالب بالدولار، لأن المرجعيات السعرية الكبرى، والمشتقات، وأدوات التحوط، والبنية التمويلية المحيطة بها، تطورت تاريخيا داخل المنظومة الدولارية.
ولا يزال الدولار متفوقا بفارق كبير على الرنمينبي. فبحسب أحدث بيانات "SWIFT" لشهر فبراير، استحوذ الدولار على 57.5% من المدفوعات العالمية و82% من تمويل التجارة. كما أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أنه ما زال العملة الاحتياطية الأولى عالميا، بحصة تبلغ 57% من الاحتياطيات الرسمية، مقابل 2.2% من المدفوعات العالمية و5.9% من تمويل التجارة و1.95% فقط من الاحتياطيات الرسمية للرنمينبي.
وأشار صندوق النقد، في مشاورات المادة الرابعة للصين، إلى أن أسواق الرنمينبي الخارجية تفتقر إلى العمق والسيولة، في حين أن نقص الأصول الآمنة المقومة بالرينمينبي والمتاحة عالميا يحد من قدرة العملة على أداء وظيفة مخزن للقيمة. ونظرا إلى محدودية مرونة سعر الصرف، لا تزال سوق التحوط من مخاطر العملات الأجنبية منخفضة.
التسعير والدفع ليسا شيئا واحدا
قد تُباع شحنة نفط خام برنت، الذي يتداول بالدولار، بعملة أخرى مثل الرنمينبي، من دون أن يعني ذلك أن العملة الصينية أصبحت هي المرجع الرئيسي لتسعير النفط. فالتسعير شيء، والدفع شيء آخر، إذ قد يُحدد سعر خام برنت عند 100 دولار، ثم يدفع المشتري ما يقابل ذلك السعر بعملة أخرى.
لذلك، فإن استخدام عملة ما في الدفع لا يعني أنها أصبحت عملة التسعير المرجعية في السوق. فالمرجعية السعرية تُبنى على سوق واسعة وعميقة، وسيولة مرتفعة، ومشاركة كبيرة من المتعاملين، وأدوات تحوط فعالة، لا على مجرد اختيار عملة مختلفة عند السداد. وبذلك، فإن توسيع استخدام الرنمينبي في الدفع لا يعني أن الصين انتزعت بعد مرجعية تسعير النفط من الدولار، بقدر ما يعني أنها تبني موطئ قدم داخل نظام ما يزال الدولار يحدد قواعده.

