الأحد, 23 أغسطس 2026|9 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لو كانت الأرباح وحدها تحرك أسعار الأسهم، لكان يفترض أن يعيش "تاسي" فترة مختلفة تماما الآن.

الشركات المدرجة خرجت من الربع الثاني بأرباح قياسية. المكرر المتوقع هبط إلى نحو 16.2 مرة بنهاية الأسبوع، وهو الأقل منذ 8 أعوام. ومع ذلك، بقي المؤشر يدور حول مستوياته، والسيولة لا تعطي انطباعا بأن المستثمرين يتسابقون لاقتناص "الأسهم الرخيصة". هذه المفارقة صنعت قدرا من الحيرة في السوق.

فكلما انخفض مكرر الربحية عاد الاستنتاج نفسه: السوق تتداول دون متوسطها التاريخي، وبالتالي يفترض أن ترتفع حتى تستعيد ذلك المتوسط. ومن هذه الزاوية، يبدو عدم صعود "تاسي" كأنه أمر يحتاج إلى تفسير، مرة بنقص السيولة، ومرة بتركيبة السوق، وأحيانا بالبيئة التنظيمية.

لكن ربما لا تكمن المشكلة في السوق، بل في المسطرة التي نقيس بها رخصها. فالمستثمر الذي كان مستعدا لدفع 16 أو 18 مرة مقابل أرباح الشركات قبل أعوام، لم يكن يعيش في البيئة الاستثمارية نفسها التي يعيش فيها اليوم.

أرباح قياسية .. والسوق لا تتحرك

في الربع الثاني من 2026، ارتفعت الأرباح المجمعة للشركات السعودية 37% على أساس سنوي إلى 170.5 مليار ريال، وفقا لوحدة التحليل المالي في "الاقتصادية". وكان من الطبيعي أن تبدو هذه الأرقام وقودا لصعود السوق. لكن الأسعار لم تستجب بالقوة نفسها.

ولا يعود ذلك بالضرورة إلى ضعف النتائج خلف العناوين. فقد تحسن هامش صافي الربح، بينما بقي هامش الأرباح التشغيلية قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء مستقرا تقريبا.

لكن المستثمر ينظر إلى شيء أبعد من رقم الربح المجرد. فالعائد على حقوق المساهمين تراجع بنحو نقطتين مئويتين إلى نحو 11.5%. أي أن الأرباح زادت، لكن العائد الذي تحققه الشركات على أموال المساهمين لم يتحسن معها بالمقدار نفسه.

كما أن السوق لا تسعر الأرباح التي تحققت فقط، بل تقارنها بما كان متوقعا، ثم تنظر إلى ما تعنيه النتائج للأرباح المقبلة.

لذلك قد تحقق الشركات نموا قويا على أساس سنوي، دون أن تتغير تقييماتها كثيرا إذا كان هذا النمو متوقعا بالفعل، أو لم يدفع المحللين إلى رفع تقديراتهم المستقبلية بالقدر نفسه. ولهذا لم تعد عبارة "الأرباح ارتفعت 37%" كافية وحدها لبناء قصة صعود مستدامة.

الخطأ يبدأ من متوسط المكرر

خلال فترات طويلة من العقد الماضي، كانت تكلفة الأموال بالريال منخفضة. ويظهر ذلك بوضوح في "سايبور" لأجل 3 أشهر، الذي يوفر مؤشرا على تكلفة الأموال والعوائد قصيرة الأجل في النظام المصرفي.

ففي 2020 بلغ متوسط "سايبور" 3 أشهر نحو 1.19%، ثم انخفض إلى 0.81% في العام التالي. وفي سنوات سابقة بقي في كثير من الأحيان قرب 1% أو أقل.

لكن دورة رفع أسعار الفائدة غيرت المشهد. ارتفع "سايبور" حتى تجاوز متوسطه 6% خلال 2024، قبل أن يبدأ بالتراجع مع التيسير النقدي، ليصل إلى نحو 4.76% في الربع الثاني من 2026.

وهذا هو الفارق الذي تغفله مقارنة المكرر الحالي بمتوسطه التاريخي. عندما كانت العوائد الآمنة والمنخفضة المخاطر محدودة، كان المستثمر أكثر استعدادا لدفع 15 أو 18 أو حتى أكثر من 20 مرة مقابل أرباح الشركات.

أما اليوم، فرغم بدء انخفاض الفائدة، ما تزال عوائد الريال أعلى بعدة نقاط مئوية من المستويات التي سادت عندما تكون جزء كبير من متوسطات تقييم السوق.

ولهذا فإن مكرر 16 مرة اليوم لا يحمل المعنى الاقتصادي نفسه لمكرر 16 مرة عندما كان "سايبور" قرب 1%. الرقم نفسه، لكن ثمن المال تغير.

المنافس الجديد ليس سهما آخر

عندما ينظر المستثمر اليوم إلى شاشة الأسعار، لا يقارن "سابك" بـ"أرامكو" أو بنكا بآخر فقط. هناك منافس آخر خارج سوق الأسهم: سوق النقد والدخل الثابت.

فوائد الودائع الزمنية والادخارية ارتفعت، وكذلك عوائد الصكوك والسندات. وهذا يغير القرار الاستثماري بصورة جوهرية.

مكرر ربحية يبلغ 16 مرة يعادل عائد أرباح يقارب 6.25%. وعندما كانت الأدوات منخفضة المخاطر تقدم عائدا قرب 1%، كان الفارق واسعا بما يكفي لجعل الأسهم أكثر جاذبية. أما عندما يستطيع المستثمر الحصول على أكثر من 5% من أداة حكومية طويلة الأجل، فإن الصورة تختلف.

ولا تعني المقارنة أن عائد الأرباح في الأسهم يعادل عائد السند، فالأرباح ليست مضمونة، وقد يحتفظ جزء منها داخل الشركة بدلا من توزيعه. لكن المقارنة تكشف مقدار التعويض الذي يطلبه المستثمر مقابل الانتقال من أداة أقل مخاطرة إلى أصل أكثر تقلبا.

ومع ارتفاع العائد الخالي أو المنخفض المخاطر، أصبح هذا التعويض أكثر أهمية. وهذه هي النقطة التي تضيع غالبا عند مقارنة تقييمات السوق اليوم بمتوسطاتها التاريخية، الأرقام قد تبدو متشابهة، لكن تكلفة الفرصة البديلة تغيرت.

الأسعار تقترب من العائد الذي يطلبه المستثمر

يمكن قراءة السوق من زاوية أخرى. بدلا من السؤال فقط كم يبلغ مكرر الربحية؟ يمكن النظر إلى الأسعار الحالية، وتوقعات الأرباح والتوزيعات والنمو، ثم تقدير العائد الذي تتضمنه هذه الأسعار للمستثمر.

النتيجة تدور حاليا نحو 10%. والملفت أن تقدير العائد المطلوب للأسهم بطريقة مستقلة، انطلاقا من العائد طويل الأجل مضافا إليه علاوة مخاطر الأسهم، يصل أيضا إلى مستوى قريب.

ولا يعني ذلك أن مكرر المتداول 16 مرة يعادل عائدا قدره 10%. فعائد الأرباح وحده عند هذا المكرر يقارب 6.25%، بينما العائد المتوقع للمستثمر لا يأتي من الأرباح الحالية فقط، بل باحتساب التوزيعات والنمو المستقبلي في الأرباح والقيمة التي يمكن للشركات توليدها مع مرور الوقت.

وهنا تتضح الصورة. السوق لا تقول إن الأرباح ضعيفة، بل إن الأسعار الحالية أصبحت تقدم تقريبا العائد الذي يطلبه المستثمر لتحمل مخاطر الأسهم.

لذلك يصبح مكرر يتداول بأقل من المتوسط أقل إثارة مما يبدو. فانخفاضه أعاد السوق قرب مستوى التوازن، وليس بالضرورة إلى منطقة رخيصة.

وإذا ارتفع المؤشر مع بقاء توقعات الأرباح والتوزيعات ثابتة، سينخفض العائد الضمني دون المستوى المطلوب، ما يجعل استمرار الصعود أصعب.

لذلك متوسط المكرر ليس مغناطيسا تجذب إليه الأسعار، ولا مستوى "عادلا" ثابتا. هو نتيجة لظروف النمو والفائدة والسيولة والمخاطر في كل مرحلة.

كما أن عدم اليقين حول مسار السياسة النقدية وعوائد السندات يجعل المستثمرين أقل استعدادا لمنح السوق إعادة تقييم سريعة، حتى مع تحسن بعض المؤشرات قصيرة الأجل.

ما الذي يدفع السوق إلى مكررات أعلى؟

إذا أرادت السوق الانتقال إلى مكررات أعلى، فلا يكفي أن تبقى الأرباح مرتفعة، بل يحتاج المستثمر إلى تغير في أحد العناصر التي تحدد القيمة.

قد يأتي ذلك من نمو أقوى في الأرباح المستقبلية، أو تحسن العائد الذي تحققه الشركات على أموال المساهمين، أو انخفاض أسعار الفائدة وعوائد أدوات الدين بما يقلص جاذبية البدائل منخفضة المخاطر.

وقد تتحرك هذه العوامل معا. فإذا ارتفعت توقعات النمو في الوقت الذي تنخفض فيه تكلفة رأس المال، يصبح المستثمر أكثر استعدادا لدفع سعر أعلى مقابل الريال الواحد من الأرباح، وبالتالي يرتفع المكرر الذي تقبله السوق.

أما إذا بقيت توقعات الأرباح مستقرة والعوائد البديلة مرتفعة نسبيا، فقد تستمر السوق عند مكررات تقل عن متوسطاتها التاريخية لفترة طويلة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود خلل يحتاج إلى معالجة.

نضج في التسعير .. لا جرس إنذار

السوق لم تصبح أقل عقلانية لأن أرباح الشركات ارتفعت ولم يصعد "تاسي" بالقوة نفسها. الذي تغير هو العائد الذي أصبح المستثمر يطلبه مقابل تحمل المخاطر.

فالمستثمر اليوم يقارن ما ستقدمه له الأسهم بما يستطيع الحصول عليه من البدائل الإستثمارية، ثم يقرر السعر الذي يستحق أن يدفعه مقابل المخاطرة.

ومن هذه الزاوية، قد يكون انخفاض السيولة نتيجة لتراجع جاذبية الأسهم النسبية أكثر من كونه أصل المشكلة، كما لا يكفي ضعف السيولة أو بطء صعود المؤشر للقول إن السوق تعاني خللاً يتطلب تدخلا تنظيميا.

كما الجهة المنظمة للسوق لا تتخذ قرارات الاستثمار نيابة عن الشركات لتحسين العوائد. فوظيفة التنظيم ضمان عدالة السوق وشفافيتها، وكفاءة عملها، لا ضمان صعود المؤشر.

قبل أعوام، كان البديل منخفض المخاطر لا يقدم له الكثير. اليوم، يستطيع الحصول على عائد يتجاوز 5% في بعض أدوات الدين الحكومية. ولهذا لم يعد السؤال: لماذا لا يرتفع "تاسي" ويعود إلى متوسط مكرره القديم؟

السؤال الأهم هو: لماذا يفترض أصلا أن يدفع المستثمر المكرر القديم، بينما تغيرت البيئة التي صنعت ذلك المكرر؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية