بين بث مباشر وصوت مذيع يروج لعرض مغر على أكواب القهوة، تواجه "ستاربكس" مرحلة جديدة من كفاحها في السوق الصينية، مرحلة تختلط فيها الخصومات الرقمية بتغير أذواق المستهلكين، واحتدام المنافسة المحلية، وتحولات استراتيجية كبرى تعيد رسم مستقبل إحدى أشهر العلامات التجارية العالمية في الصين.
يأتي هذا التحول التسويقي في وقت تنتظر فيه "ستاربكس" موافقة الجهات التنظيمية الصينية على بيع حصة مسيطرة، 60%، من أعمالها في الصين إلى شركة الاستثمار الخاصة "بويو كابيتال".
الصفقة، التي من المتوقع إقرارها قريبًا بعد إدراجها ضمن المسار السريع لمراجعة مكافحة الاحتكار، تمثل نقطة تحول إستراتيجية في مسار "ستاربكس" داخل الصين، بعد سنوات لم تر فيها النور من الإدارة المستقلة الكاملة.
وبحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست"، أوضح برايان نيكول، الرئيس التنفيذي لـ"ستاربكس"، أن معرفة "بويو" الطويلة بالسوق المحلية ستسهم في تسريع النمو، خصوصًا مع التوسع في المدن الصغيرة والمناطق الجديدة، بهدف رفع عدد الفروع من أكثر من 8 آلاف إلى 20 ألف متجر على المدى الطويل.
منذ دخول "ستاربكس" إلى الصين قبل 26 عامًا، تغير المشهد الاقتصادي والاستهلاكي جذريًا. فالمستهلك الصيني أصبح واعيا أكثر وحساسا للأسعار، في وقت فقد فيه الاقتصاد زخمه السابق.
كما تواجه الطبقة الوسطى، وهي الشريحة الأساسية لسلسلة المقاهي، ضغوطا متزايدة بسبب تباطؤ سوق العقارات، وتراجع فرص العمل في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا والعقارات والتعليم الخاص.
سجلت الصين الشهر الماضي أضعف نمو في مبيعات التجزئة منذ 3 سنوات. ففي ديسمبر، لم تتجاوز نسبة النمو 0.9%، وهو أدنى مستوى لها منذ فبراير 2023، وأدنى بكثير من النمو قبل جائحة كورونا.
في المقابل، اشتدت المنافسة المحلية. فقد نجحت سلاسل صينية مثل "لاكين كوفي" و"ميكسيو" و "كوتي" في اجتذاب المستهلكين بأسعارهم المنخفضة والنكهات المحلية.
نتيجة لذلك، تراجعت الحصة السوقية لـ"ستاربكس" في الصين من 34% عام 2019 إلى 14% في 2024، بينما تجاوزتها "لاكين كوفي" لتصبح العلامة الأولى في السوق.
لكن انتعشت مبيعات فروعها أخيرا، مسجلةً نموًا 7% خلال الربع المنتهي في ديسمبر، بعد انخفاضها 1% في السنة السابقة، و 8% في 2024.
وقال برادي بروير، الرئيس التنفيذي لشركة "ستاربكس" العالمية، خلال إعلان الأرباح الأسبوع الماضي: "دور أعمالنا الدولية واضح تمامًا. فنحن محرك نمو لا يتطلب أصولًا ضخمة، ونزيد هوامش ربحها".
إلى جانب المنافسة السعرية، يلعب عامل الأجيال دورًا مهمًا. فالأجيال الشابة في الصين، خصوصًا مواليد 1990-2000، لم تعد تنظر بإعجاب تلقائي إلى العلامات الغربية كما كان حال الأجيال الأكبر، بل تفضل محلية تلبي ذوقها وسعرها.
تأتي استثمارات "بويو" ضمن توجه أوسع للصناديق الاستثمارية الصينية للاستحواذ على أصول الشركات العالمية في الصين، خاصة مع خروج الشركات متعددة الجنسيات جزئيًا بسبب تباطؤ الاقتصاد والمخاطر الجيوسياسية، ما أتاح فرصًا نادرة للاستثمار.
وقال خبراء إن الصناديق الصينية تدخل في صفقات لاكتساب شركات قائمة لتسريع النمو وتعزيز سلاسل التوريد وتكييف العمليات مع السوق المحلية، وهو ما ظهر أيضًا في استحواذ "ريستورانت براندز إنترناشونال" على حصة "برجر كنج" في الصين.
وقال جيسون يو، المحلل في شركة "سي تي آر" لأبحاث السوق: "كان الشعار القديم هو "فكر عالميًا، اعمل محليًا"، لكن بصراحة، لم يعد كافيًا أن تعمل شركة عالمية "محليًا". ما نشهده اليوم هو استراتيجية "في الصين، من أجل الصين".
يتعين على العلامات التجارية العالمية ترسيخ وجودها بقوة في السوق الصينية وبناء إستراتيجيتها التنافسية بالكامل حول المستهلك الصيني".



