في مشهد مالي يتحدى المنطق التقليدي، انتهى العام الأول من ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية على وقع مفارقة تاريخية، ألا وهي ارتفاع جماعي لكل من الأصول الخطرة والملاذات الآمنة.
في حين سجلت أسواق الأسهم مكاسب قوية، كانت القصة الأبرز هي الصعود الحاد للمعادن الثمينة، الذي يعكس قلقا عميقا لدى المستثمرين من السياسات المتقلبة وغير المتوقعة للإدارة الحالية.
المعادن الثمينة تزداد لمعانا
ارتفع سعر الذهب 75%، مسجلا أفضل أداء سنوي له منذ 1979، لكن الفضة كانت النجم الحقيقي، حيث قفزت أسعارها 214%، متجاوزة 90 دولارا للأونصة للمرة الأولى في تاريخها.
هذا الإقبال الهائل على الملاذات الآمنة لم يكن من فراغ، بل كان ردة فعل مباشر على بيئة من عدم اليقين عززتها سياسات الرئيس ترمب إلى جانب عوامل أخرى.
كانت سياسات ترمب هي المحرك الأساسي لهذا التوجه، بفعل نهج سياسي قائم على التصعيد وعدم اليقين، شمل توظيف القوة العسكرية، والتلويح بإعادة رسم الجغرافيا، واستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط عالمية، ما وسع نطاق المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في آن واحد.
تلك الحالة دفعت العالم لشراء الذهب، حتى أصبحت تمثل أكبر من سندات الخزانة الأمريكية ضمن أصول الاحتياطي لدى البنوك المركزية، وذلك يحدث لأول مرة منذ 1996، وفقا لرويترز.
وأثارت ضغوط ترمب المستمرة على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، والتي وصلت إلى حد فتح تحقيق جنائي بحق رئيسه جيروم باول، إلى جانب ليزا كوك عضو مجلس محافظي الفيدرالي، مخاوف جدية بشأن استقلالية المؤسسات المالية الأمريكية.
هذه العوامل مجتمعة إلى جانب ضعف الدولار، دفعت البنوك المركزية حول العالم إلى تسريع وتيرة شراء الذهب لتنويع احتياطياتها، ما أضاف زخما إضافيا للأسعار.
اتجاه الأسهم لا يخالف الذهب
المفارقة تكمن في أنه بينما كان المستثمرون يسارعون إلى الملاذات الآمنة، كانت أسواق الأسهم الأمريكية تحقق مكاسب قوية أيضا، حيث ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 16% خلال الفترة، هذا الأداء المتزامن، الذي يتعارض مع العلاقة العكسية التقليدية بين الأسهم والذهب، يقف وراءها عاملان.
العامل الأول، طفرة الذكاء الاصطناعي، فشركات التقنية كانت المساهم الأكبر في الأداء مع تصاعد القيم السوقية لها حتى تجاوزت "إنفيديا" حاجز 5 تريليونات دولار خلال العام الماضي كأول شركة في التاريخ تصل لهذا الرقم، في وقت اتخاذ الولايات المتحدة سياسات من شأنها أن تضمن صدارتها في الصناعة وتمثلت في "خطة عمل أمريكا للذكاء الاصطناعي".
بينما الثاني، خفض أسعار الفائدة، وتوقعات باتجاهها نحو التيسير في ظل قرب انتهاء فترة جيروم باول، وتحديد الإدارة الأمريكية مرشحين لقيادة البنك المركزي في فترة جديدة، في وقت إصرار ترمب على تخفيض أسعار الفائدة.
تحوط مقابل مخاطر التقنية
قلق المستثمرين تجاه "فقاعة الذكاء الاصطناعي" يجعلهم يتحوطون من مخاطر أسهم التكنولوجيا لتمويل مراكز تحوطية في المعادن الثمينة. لم يعد الخيار بين النمو والأمان، بل أصبح المستثمرون يشترون كليهما، فأصبح لسان حال المستثمرين: أركب موجة النمو وأؤمّن نفسي ضد تكلفة هذا النمو.
أظهر العام الأول من ولاية ترمب الثانية سوقا منقسمة على نفسها، فمن ناحية، هناك تفاؤل قصير الأجل مدفوع بالابتكار التكنولوجي وتوقعات المال الرخيص.
من ناحية أخرى، هناك قلق هيكلي طويل الأجل بشأن الاستقرار الجيوسياسي، ومتانة المؤسسات، ومستقبل العملات.
هذه المفارقة، التي تجسدت في الارتفاع المتزامن للأسهم والمعادن الثمينة، قد تكون الإرث الأكثر دلالة لعام من حكم ترمب، وهي ترسم ملامح مرحلة جديدة من التقلبات في الأسواق العالمية.
وحدة التحليل المالي

