تترقب السوق المالية السعودية انعكاسات التعديلات الجديدة على سوق المشتقات المالية، وسط توقعات بأن تسهم في تعزيز أدوات التحوط، ورفع كفاءة التسعير والسيولة، ودعم جاذبية السوق أمام المؤسسات الاستثمارية المحلية والأجنبية.
"الاقتصادية" استطلعت آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين والماليين، للتعرف على أبرز الآثار المتوقعة لهذه التعديلات على سوق المشتقات المالية، وانعكاساتها على السيولة وكفاءة السوق، بجانب دورها في توفير خيارات استثمارية جديدة وتعزيز جاذبية السوق أمام المستثمرين.
تأتي هذه الآراء بالتزامن مع إطلاق "تداول" و "مقاصة" حزمة تحسينات هيكلية في سوق المشتقات المالية، دخلت حيز التنفيذ في 19 أغسطس 2026، وتستهدف العقود المستقبلية لمؤشر MT30 والأسهم المفردة، بهدف تعزيز السيولة وكفاءة السوق وتوسيع مشاركة المستثمرين.
شملت التحسينات إعادة هيكلة صناعة السوق، وخفض رسوم التداول والمقاصة والرسوم التنظيمية، إلى جانب إعفاءات من رسوم التداول والتسوية النهائية لمدة عام، وتحديث آليات التسعير والهامش، مع توفير حاسبة للهامش عبر موقع "مقاصة".
تأتي هذه الخطوات في إطار تطوير سوق المشتقات كأحد ركائز تنويع المنتجات الاستثمارية في المملكة، وتعزيز قدرة المستثمرين على التحوط ودعم سيولة السوق.
يرى المستشار المالي محمد الشميمري، أن التعديلات الجديدة تمثل خطوة جوهرية نحو توفير أدوات تحوط أكثر تطوراً، بما يرفع كفاءة السوق ويحد من المخاطر النظامية، إلى جانب تمكين مديري الأصول من إدارة محافظهم بمرونة أكبر.
أوضح أن السوق كانت بحاجة في السابق إلى مزيد من عمق المنتجات المالية، إلى جانب وجود صناع سوق نشطين يوفرون السيولة بصورة مستمرة، ويسهمون في تضييق الفارق بين أسعار العرض والطلب، وتسهيل عمليات فتح وإغلاق المراكز المالية.
يتوقع أن تنعكس توسعة سوق المشتقات إيجاباً على السوق الفورية، من خلال خلق سيولة إضافية نتيجة تفعيل عمليات المراجحة والتغطية بين سوق المشتقات والأسهم الأساسية، بحسب الشميمري.
كما تسهم المشتقات، وفق تقديره، في تسريع استيعاب المعلومات المالية وانعكاسها على أسعار الأسهم، الأمر الذي يعزز كفاءة التسعير ويحد من الفجوات السعرية.
فيما يتعلق بالتقلبات، يرى أن توفير أدوات تحوط فعالة قد يحد من عمليات التسييل العشوائي والبيع تحت ضغط الهبوط، خصوصا بالنسبة إلى المحافظ الكبيرة، بما قد يساعد في الحد من التذبذبات الحادة في السوق.
يبرز دور شركة مركز مقاصة الأوراق المالية «مقاصة» في هذه المنظومة، إذ يشير الشميمري إلى أن قيامها بدور الطرف المقابل المركزي يمثل ركناً أساسياً في تعزيز البنية التحتية لسوق المشتقات، من خلال ضمان تسوية العقود والحد من مخاطر إخفاق الطرف المقابل.
أضاف أن وجود بنية تحتية آمنة وفعالة للتسوية والمقاصة يمثل عاملاً مهماً بالنسبة إلى المؤسسات المالية الأجنبية والصناديق الاستثمارية العالمية، وقد يسهم في تعزيز جاذبية السوق السعودية وتدفقات السيولة الأجنبية إليها.
في تقدير تحليلي يستند إلى افتراض استقرار ظروف الاقتصاد الكلي وتنامي مشاركة صناع السوق، فضلاً عن تجارب أسواق ناشئة مماثلة، توقع الشميمري ارتفاع أحجام تداول المشتقات بنحو 20 إلى 30% خلال الـ12 شهراً المقبلة.
يرى أن صناديق الاستثمار المؤسسية والمحافظ التي تستخدم أدوات التحوط ستكون من أبرز المستفيدين من التطورات الجديدة، فيما يتوقع أن يكون قطاعا البنوك والمواد الأساسية من أكثر القطاعات استفادة، نظراً إلى وزنهما في المؤشرات ووجود أسهم قيادية ذات تداولات مرتفعة يمكن أن تستفيد من توسع أدوات المشتقات.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي ناصر القرعاوي، أن السوق المالية السعودية شهدت خلال السنوات الماضية تطورات متلاحقة في هيكلة التشريعات والأنظمة، في إطار تهيئة البنية المالية اللازمة لتحقيق مستهدفات "رؤية 2030".
أوضح أن تطوير سوق المال وأدوات المشتقات المالية مر بمراحل اتسمت بالتدرج والتحفظ، نظراً إلى حساسية هذه الأدوات وما قد يترتب على التوسع فيها من آثار، مشيراً إلى أن التجارب الدولية، ولا سيما في بعض دول شرق آسيا، عززت الحاجة إلى التعامل الحذر مع مثل هذه الأسواق.
أشار القرعاوي إلى أن المملكة تعاملت كذلك بحذر مع تدفقات «الأموال الساخنة»، ضمن توجه استباقي تزامن مع إطلاق الرؤية وما تبعها من تطوير وسن عدد من التنظيمات المالية.
أكد أن السوق المالية السعودية لا تزال بحاجة إلى تعميق هذه الرؤية وتوسيع نطاقها ليشمل مزيداً من المشتقات والأوعية الاستثمارية الداعمة والجاذبة، بما يتيح خلق قنوات استثمارية جديدة واستقطاب استثمارات إضافية.
يرى أن التطورات التشريعية والتنظيمية الأخيرة يمكن أن تمهد أمام المستثمرين للوصول إلى سوق إضافية وأدوات استثمارية أكثر تنوعاً، لكنه أشار إلى أن أي توسع تشريعي جديد يحتاج إلى التدرج والوقت المناسب، خصوصاً في ظل التغييرات التي تشهدها منظومة السوق المالية.
توقع أنه في حال إضافة مزيد من الأدوات والأوعية الاستثمارية وفتح قنوات جديدة أمام المستثمرين، فقد تنعكس هذه الخطوات على معدلات النمو، مقدراً إمكانية تسجيل نمو يتراوح بين 3 و5% بعد مرور عام، مدفوعاً بخلق سوق إضافية وتوسيع قاعدة النشاط الاستثماري.
بحسب القرعاوي تعكس هذه التقديرات في مجملها، أهمية تطوير سوق المشتقات باعتباره أحد مسارات تعميق السوق المالية السعودية، مع بقاء حجم الأثر الفعلي مرتبطاً بمستوى السيولة، ومشاركة صناع السوق، وتطور البيئة التنظيمية، ومدى إقبال المستثمرين المحليين والأجانب على الأدوات الجديدة.



