بدأ "حلف مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان من بوابة الأمن والدفاع، لكن مستقبله قد يُكتب في المصانع ومراكز الأبحاث وسلاسل الإمداد بقدر ما يُكتب في موازين القوة العسكرية.
جاء في بيان مشترك صادر اليوم عن اللجنة الإستراتيجية السياسية الدفاعية لاتفاق مكة للدفاع المشترك، أن الدول الـ3 ستعمل "من خلال الفعاليات المشتركة على تعزيز قدراتها الدفاعية وتماسك قواتها المسلحة، من خلال التعاون المتين في مجال الصناعات الدفاعية، وتطوير الإنتاج والتقنيات المشتركة".
فالدول الـ3 لا تجمعها مصالح أمنية فقط، بل تمتلك قدرات اقتصادية وصناعية متنوعة بتكاملها يحول التحالف إلى كتلة إنتاجية وتقنية تمتد آثارها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد.
وتكمن الفرصة في أن كل دولة تدخل الحلف بما يعزز الأخرى. السعودية تملك الطاقة والمعادن والمواد الأولية ورأس المال وسوقا دفاعية كبيرة إلى جانب التصنيع العسكري. وتركيا تدخل بقطاع دفاعي متطور ينتج المسيّرات والصواريخ والرادارات والسفن والمركبات والأنظمة الإلكترونية. أما باكستان فتضيف عقودا من الخبرة العسكرية والصناعية، من الطيران والذخائر إلى المنظومات الإستراتيجية والصواريخ.
هذا التنوع يفتح أمام الحلف مسارا اقتصاديا مختلفا. فبدلا من دورة قصيرة تبدأ بالموارد وتنتهي بشراء السلاح من الخارج، يمكن بناء سلسلة أطول تبدأ بالطاقة والمعادن والكيميائيات، ثم تنتقل إلى المواد المتقدمة والتصنيع والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، وصولا إلى المنظومة الدفاعية، ثم صيانتها وتطويرها وتصديرها.
عندها لا يعود الدفاع مجرد بند إنفاق، بل يتحول إلى محرك للطلب على صناعات أكثر تعقيدا. السعودية ترفع القيمة المضافة لمواردها وتعمق قاعدتها الصناعية، وتركيا توسع إنتاجها وأسواقها، وباكستان تحول خبرتها العسكرية والصناعية إلى استثمارات وصادرات أكبر.
لهذا قد لا تكون القيمة الأكبر لـ"حلف مكة" في عدد المنظومات التي تستطيع الدول الـ3 شراءها، بل في مقدار ما تستطيع إنتاجه معا.
وذلك يفتح مجالا لأن يتحول الحلف من مظلة للدفاع المشترك إلى منظومة اقتصادية وصناعية طويلة الأجل، تتراكم داخلها المصانع والموردون والمهندسون والتقنيات والمعرفة، لتصبح المصلحة الأمنية المشتركة في الوقت نفسه مصلحة اقتصادية مشتركة تعزز استدامة الحلف وقوته مستقبلا.
سوق كبيرة تغير معادلة الصناعة
تملك الدول الـ3 عنصراً أساسياً لأي مشروع صناعي دفاعي، "الطلب" فقد بلغ إنفاقها العسكري مجتمعا نحو 125 مليار دولار في 2025، منها 83.2 مليار للسعودية، و30 ملياراً لتركيا، و11.9 مليار لباكستان، وفق تقديرات "SIPRI".
لكن الرقم الاسمي لا يروي القصة كاملة. فالقيمة الاقتصادية للإنفاق تعتمد أيضا على المكان الذي يُنفق فيه. فإذا استُخدم جزء أكبر من الميزانيات العسكرية داخل السعودية وتركيا وباكستان، فإنه يمكن أن يشتري ساعات عمل هندسية وتصنيعا وخدمات وموادا محلية أكثر مما قد يشتريه المبلغ نفسه في اقتصادات أعلى تكلفة. وهذه بصورة عامة، هي الفكرة التي يعبر عنها تعادل القوة الشرائية، الدولار نفسه لا يشتري الكمية نفسها من العمل والسلع والخدمات في كل اقتصاد.
إلا أن هذا الأثر لا ينطبق على كامل الإنفاق الدفاعي. فبعض المكونات تُتداول في أسواق عالمية، وبالتالي تبقى تكلفتها أقرب إلى الأسعار الدولية. أما الميزة فتظهر بصورة أكبر في الجزء الذي يمكن إنتاجه محليا، من العمالة والهندسة إلى الطاقة والمواد والخدمات والتصنيع.
ومن هنا تكتسب زيادة المحتوى المحلي أهمية مضاعفة. فهي لا تعني فقط إبقاء جزء أكبر من الإنفاق داخل اقتصادات الدول الـ3، بل تتيح أيضاً الحصول على حجم أكبر من العمل والهندسة والإنتاج بالمبلغ نفسه، كلما أمكن إحلال الإنتاج المحلي محل المدخلات المستوردة.
كما يمنح اتساع الطلب ميزة اقتصاديات الحجم، فكلما زاد حجم الإنتاج، توزعت تكاليف التطوير والاختبارات وخطوط التصنيع على عدد أكبر من الوحدات، فتراجعت تكلفة الوحدة وتحسنت الجدوى الاقتصادية للمشروعات. خاصة إذا تم توحيد جزء من الاحتياجات والمواصفات، وربطها بطلبيات مشتركة طويلة الأجل.
وهنا تستطيع السعودية، باعتبارها صاحبة أكبر إنفاق عسكري بين الدول الـ3، أن تؤدي دور المشتري الرئيسي الذي يوفر حجماً أولياً ومستقراً من الطلب، ويخفض مخاطر الاستثمار في المصانع وبرامج البحث والتطوير. وعندها لا تصبح قيمة السوق مرتبطة فقط بحجم الـ125 مليار دولار التي تنفقها الدول الـ3، بل بمقدار ما تستطيع تحويله من هذا الإنفاق إلى طلب صناعي مشترك، وكم تستطيع إنتاجه محلياً بكل دولار تنفقه.
السعودية تملك بداية سلسلة القيمة
تبدأ الميزة السعودية قبل الوصول إلى مصنع السلاح، لكنها لا تتوقف عند المواد الخام. فالسعودية تجمع بين قاعدة كبيرة في الطاقة والكيميائيات والمعادن، وسوق دفاعية واسعة، وصناعة عسكرية محلية يجري توسيعها، ما يمنحها فرصة لبناء حلقات متعددة من سلسلة القيمة بدلا من الاكتفاء باستيراد المنظومة النهائية.
وتوفر الطاقة والكيميائيات نقطة انطلاق مهمة لهذا المسار. فقد سجلت أرامكو في 2025 إنتاجا يقارب 12.9 مليون برميل مكافئ يوميا من الهيدروكربونات، فيما تمتد منظومة أرامكو وسابك عبر قاعدة بتروكيماوية ضخمة، بلغت طاقتها الإنتاجية الصافية للمواد الكيميائية نحو 59.3 مليون طن سنوياً بنهاية العام. ولا تقتصر هذه القدرات على الكيميائيات الأساسية، إذ تمتد إلى البوليمرات الهندسية والمواد المتخصصة التي يمكن أن تدخل، بعد مزيد من التصنيع والتأهيل، في تطبيقات صناعية أكثر تعقيداً.
ويوازي ذلك عمق معدني متنام في مواد أكثر ارتباطا بالصناعات المتقدمة والدفاعية. وتؤكد وزارة الصناعة أن إجمالي الثروة المعدنية السعودية المقدرة يتجاوز 9.4 تريليون ريال، وتشمل النحاس والمعادن الإستراتيجية، فيما تتوسع السعودية من استخراج الخام إلى المعالجة والصهر والصناعات التحويلية، بما يفتح المجال أمام إنتاج مواد وسبائك أعلى قيمة.
وهنا تظهر أهمية القاعدة الدفاعية التي بنتها السعودية بالفعل. فمن خلال الهيئة العامة للصناعات العسكرية "GAMI" وبرامج التوطين، إلى جانب الشركة السعودية للصناعات العسكرية "SAMI" وشبكة متنامية من المصنعين والموردين المحليين، لم تعد نقطة البداية السعودية مقتصرة على الطاقة والمواد ورأس المال. بل أصبحت تشمل قدرات في التصنيع والصيانة والإلكترونيات والأنظمة والمنصات الدفاعية يجري تعميقها تدريجيا.
وهذا الربط بين القاعدتين هو ما يمنح السعودية فرصة أكبر داخل أي سلسلة إنتاج مشتركة. فبدلاً من أن تبدأ السلسلة بخام سعودي وتنتهي بمنظومة مصنعة بالكامل في الخارج، يمكن الاحتفاظ بعدد أكبر من المراحل داخل السعودية، من المادة والطاقة، إلى المعالجة والتصنيع، ثم المكونات والصيانة والتكامل مع الصناعات الدفاعية.
فالصناعة العسكرية الحديثة لا تبدأ بالطائرة أو الصاروخ، بل بسلسلة طويلة من المواد والهندسة والتصنيع الدقيق والإلكترونيات والبرمجيات. وكلما استطاعت السعودية الانتقال من امتلاك الموارد إلى إنتاج المواد والمكونات المؤهلة دفاعيا، ارتفعت حصتها من القيمة المضافة، وأصبح إسهامها في الحلف أعمق من مجرد توفير التمويل والسوق.
تركيا تختصر الطريق من المكوّن إلى المنظومة
إذا كانت السعودية تملك جانبا مهما من بداية سلسلة القيمة، فإن تركيا تدخل الحلف من حلقاتها الأكثر تعقيداً: الهندسة والتصميم وتكامل الأنظمة والإنتاج النهائي. وبحسب رئاسة الصناعات الدفاعية التركية "SSB"، بلغ حجم منظومة الصناعات الدفاعية مطلع 2026 نحو 4 آلاف شركة وما يقارب 100 ألف عامل، فيما تدير الرئاسة نحو 1.4 ألف مشروع دفاعي، مقابل 62 مشروعا في 2002.
ويظهر نضج هذه القاعدة في قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية. فقد قفزت صادرات الدفاع والطيران من 248 مليون دولار في 2002 إلى 10 مليارات دولار في 2025، فيما أصبحت 5 شركات تركية ضمن أكبر 100 شركة دفاعية عالميا.
لكن القيمة الأهم ليست في حجم القطاع، بل في اتساع قدرته الهندسية. فالصناعة التركية تمتد من الطائرات والمسيّرات والسفن والمركبات إلى الصواريخ والدفاع الجوي والرادارات والحرب الإلكترونية والمحركات والأسلحة والذخائر. وهذا يعني امتلاك خبرة في جمع مواد ومكونات وإلكترونيات وبرمجيات مختلفة وتحويلها إلى منظومة نهائية قابلة للإنتاج.
وهنا يمكن لتركيا أن تختصر على الحلف المسافة بين المادة والمنظومة. فبدلاً من أن تبدأ السعودية من الصفر في تحويل المعادن والبوليمرات والمواد المتخصصة إلى منتجات دفاعية، يمكن ربط قاعدتها المادية بالتصميم والمواصفات والخبرة الهندسية التركية، مع بناء القدرات السعودية تدريجياً.
وفي المقابل، تحصل تركيا على سوق أوسع ومدخلات صناعية ورأسمال يمكن أن يدعم زيادة الإنتاج وتوزيع تكاليف التطوير على عدد أكبر من الوحدات. وبذلك يصبح التكامل أعمق من تبادل السلاح: ربط المواد السعودية بالهندسة التركية داخل سلسلة قيمة مشتركة تحتفظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل الحلف.
باكستان تضيف خبرة متراكمة لعقود
تكمل باكستان الحلقة الثالثة من سلسلة القيمة. فهي لا تدخل الحلف كسوق إضافية أو قاعدة إنتاج منخفضة التكلفة، بل بمنظومة دفاعية تراكمت عبر عقود، وتغطي اليوم الذخائر والمدرعات والطيران والإلكترونيات العسكرية وبناء السفن والبحث والتطوير.
وتضم منظومة وزارة الإنتاج الدفاعي مؤسسات مثل مصانع الذخائر "POF"، ومجمع الطيران "PAC"، والصناعات الثقيلة "HIT"، و"NRTC" للإلكترونيات والاتصالات، وترسانة كراتشي.
ويظهر عمق هذه القاعدة في مصانع الذخائر الباكستانية "POF"، التي تضم 14 مصنعا وأكثر من 27 ألف موظف، وتنتج الأسلحة والذخائر والمتفجرات والمواد الدافعة، إلى جانب امتلاكها قدرات التصنيع المعدني. وفي الصناعات البرية، طورت مجمع الصناعات الثقيلة في "تاكسيلا". منظومة تضم 8 مصانع تشمل إنتاج الدبابات وناقلات الجند والمدافع وإعادة بناء المركبات وتطوير مكوناتها.
ويمتد العمق إلى الإلكترونيات؛ إذ يعمل لدى "NRTC" نحو 3 آلاف موظف، ولديها أكثر من 150 منتجا وحلا تقنيا، تشمل الاتصالات العسكرية والروبوتات والأنظمة الإلكترونية. وفي الطيران، تصل حصة باكستان في الإنتاج المشترك لهيكل المقاتلة JF-17 Thunder إلى 58% عبر مجمع الطيران الباكستاني، بما يعكس خبرة تتجاوز تشغيل الطائرات إلى تصنيعها وتجميعها واختبارها وصيانتها.
لكن الإضافة الأكثر تميزا تأتي من الخبرة الإستراتيجية الصاروخية. وهنا تكتمل صورة التكامل السعودية توفر الطلب والطاقة والمواد ورأس المال، وتركيا تختصر الطريق في الهندسة وتكامل الأنظمة، فيما تضيف باكستان خبرة إنتاجية وتشغيلية وإستراتيجية تمتد من الذخائر والمدرعات إلى الطيران والإلكترونيات والمنظومات الصاروخية بعيدة المدى.
3 إستراتيجيات وطنية توسع قاعدة الحلف
ما يعزز فرص التكامل أن الدول الـ3 تعمل أصلا على توسيع قواعدها الصناعية والتقنية. فالسعودية تدفع عبر رؤية 2030 نحو تعميق التصنيع والتوطين، مع توسع قدراتها في الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي. وتركيا تتحرك عبر إستراتيجية الصناعة والتكنولوجيا 2030 ، التي تستهدف توسيع الصناعات المتقدمة والبحث والتطوير، مستفيدة من قاعدتها الدفاعية القائمة. أما باكستان فتسعى عبر "URAAN Pakistan" إلى زيادة الصادرات والتصنيع ذي القيمة المضافة والابتكار.
وبذلك لا يقوم التكامل المحتمل بين الدول الـ3 على قدراتها الحالية فقط، بل على اتجاه إستراتيجي متقارب نحو زيادة التصنيع، ورفع المحتوى التقني، وتعميق البحث والتطوير. وهو ما قد يوسع مستقبلا عدد المكونات والتقنيات التي يمكن إنتاجها وتطويرها داخل الحلف نفسه.
سلسلة الإمداد تتحول إلى عنصر قوة
القيمة الإستراتيجية للحلف لا تتوقف عند إنتاج مزيد من الأسلحة. فالقدرة العسكرية الحديثة تعتمد على سلاسل إمداد شديدة التعقيد. ويمكن أن تصبح منظومة كاملة عرضة للضغط إذا انقطع أحدى المكونات، مثل شريحة إلكترونية أو محرك أو جهاز بصري أو آلة تصنيع دقيقة.
لذلك تكامل المنظومات الصناعية يسهم في بناء استقلال إستراتيجي انتقائي، بحيث تنتج المكونات التي قد يؤدي انقطاعها إلى تعطيل قدراتها. ومع تنويع الموردين أو تخزين بقية المدخلات هنا تتحول الصناعة من نشاط اقتصادي فقط إلى جزء من قدرة الحلف على الاستمرار وقت الأزمات.
من الردع المشترك إلى كتلة صناعية تنمو مع الحلف
قد يكون الدفاع نقطة البداية لـ"حلف مكة"، لكن قيمته الأبعد قد تظهر في قدرته على بناء مصالح اقتصادية وصناعية مشتركة. فاجتماع السوق والموارد ورأس المال السعودي، مع القاعدة الهندسية التركية والخبرة الإنتاجية الباكستانية، يفتح المجال أمام سلاسل إنتاج واستثمارات تتجاوز التعاون العسكري المباشر.
وكل مصنع مشترك، أو مورد يدخل سلسلة إنتاج عابرة للدول الثلاث، أو تقنية يجري تطويرها وتوطينها، يضيف رابطا اقتصاديا يعزز تماسك الحلف واستدامته.
وهنا يكتسب ما ورد في بيان القمة عن السعي إلى "مستقبل آمن ومزدهر" معنى أوسع، فالأمن يوفر بيئة للاستثمار، بينما تحول الصناعة والتجارة هذا الأمن إلى مصالح متشابكة وقيمة مضافة وصادرات أكبر.
وبذلك قد لا تكون النتيجة الأهم لـ"حلف مكة" أن تدافع الدول الـ3 عن بعضها فقط، بل أن تنمو معا، وتبني كتلة صناعية أكثر استقلالا في مكوناتها الحرجة وقدرة على المنافسة، تجعل القوة الاقتصادية جزءا من قوة التحالف نفسه.

