في قاعة مليئة برواد الأعمال والمستثمرين في منتدى "ستارت سمارت للاستثمار 2026"، وبين شركات تعرض أفكارًا لا تزال في مراحلها الأولى، وبين شركات تبحث عن التوسع، يطرح المستثمرون والمهتمون أسئلة دقيقة لأصحاب المشاريع قد تحدد مستقبل شركاتهم خلال دقائق.
كيف تُتخذ قرارات الاستثمار اليوم؟ هل أصبح المستثمرون أكثر جرأة في مشاريعهم أم أصبح رواد الأعمال أكثر جرأة في طرح أفكارهم؟
يمثل المنتدى، الذي ينظمه مجتمع جميل السعودية بالشراكة مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية في مقر حاضنة ومسرعة الابتكار "الكراج" في الرياض، منصة لعرض المشاريع ومساحة لاختبار العلاقة بين رأس المال والأفكار.
تحول ملحوظ نحو زيادة الجرأة في الاستثمار
أظهرت جولة "الاقتصادية" آراء مستثمرين وخبراء، أن السوق السعودي يشهد تحولا ملحوظا نحو زيادة الجرأة في الاستثمار، خصوصا في المراحل المبكرة.
قال المستثمر والرئيس التنفيذي لعدة شركات، فارس حمدان، "إن المستثمرين أصبحوا أكثر جرأة، وهناك توجه واضح لتخصيص جزء من رؤوس الأموال للاستثمار في الشركات الناشئة"، مشيرا إلى أن هناك أفكارا في المنتدى غير تقليدية وغير منطقية وهو ما يراه إيجابيا ويدل على أن الناس أصبحت تفكر بطريقة جديدة.
لكن هذه الجرأة -بحسب عادل المضحي مستشار تطوير الأعمال لعدة شركات توطين تقنية- موجودة اليوم في التطبيق وفي التجريب، مضيفًا أن "السوق مرّ بفترة كان فيها التحفظ عاليا لكن الوضع تغيّر، وأصبح هناك تقبّل لفكرة الخسارة والتجربة مع احتمالية الفشل السريع، وأن المستثمر ممكن يبدأ فكرة ويعيد توجيهها حسب فهمه للسوق".
في المقابل ترى دكتورة خبيرة الذكاء الاصطناعي، منال العساف، أن سلوك المستثمرين أصبح أكثر وعيا خصوصا بالاستثمار في مجالات التقنية وتحديدا التقنية العميقة والذكاء الاصطناعي، إلا أنها تؤكد في الوقت ذاته وجود فجوة مقارنة بالأسواق العالمية الأكثر تقدما في هذا المجال.
لكن ماذا عن تجارب الشركات الناشئة؟
قالت مؤسسة تطبيق "هداوي" لـ "الاقتصادية"، نور السيد، "إن المشروع يهتم بحل مشكلة (القطة) عند الإهداء، وتستطيع من خلاله اختيار هدية وإرسال رابط دفع مباشر للمساهمين، وتوصيل الهدية".
وانطلق التطبيق فعليًا قبل نحو 90 يومًا فقط، وتمكن من جذب أكثر من 300 مستخدم دون أي إنفاق تسويقي، ما يعكس وجود طلب فعلي على الخدمة.
ورغم ذلك أشارت السيد إلى أن التحدي لا يقتصر على جذب المستثمر، بل يشمل الحصول على الدعم التسويقي وبناء العلاقات، إضافة إلى أن قيمة المستثمر لا تقتصر على التمويل بل تمتد إلى شبكاته وخبراته.
في المقابل، أكدت مؤسسة منصة "قو بال"، لانا علي، الزخم الذي يشهده السوق، حيث تواصل معها أكثر من 50 مهتم خلال يوم واحد فقط من المشاركين في المنتدى، فيما تسعى المنصة إلى جمع نحو 1.5 مليون ريال مقابل 6% من المشروع، بهدف التوسع وتطوير المنصة.
ومنصة "قو بال" تجمع جميع الأنشطة الخاصة بالأطفال في مكان واحد، سواء تعليمية أو ثقافية أو ترفيهية أو رياضية.
الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعا واعدا فقط
أما مؤسس منصة "بذرة" علي الكناني، فقدم نموذجا مختلفا، حيث يسعى إلى بناء منصة متكاملة لتطوير الأفكار وتحويلها إلى مشاريع، معتمدًا على الذكاء الاصطناعي، وقد حظي باهتمام 40 مستثمرًا خلال المنتدى، في حين يستهدف جمع 700 ألف ريال مقابل حصة تصل إلى 25%.
تكاد تتفق جميع الآراء على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعًا واعدًا فقط، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في بناء الشركات.
وبالعودة إلى منال العساف، إذ أكدت أهمية تبني ما تسميه عقلية بناء تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن تقنيات مثل Agentic AI يمكن أن تختصر الوقت والتكاليف بشكل كبير، وتسهم في تسريع وصول الشركات إلى السوق.
في المقابل، يوسع المستثمرون النظرة إلى ما هو أبعد من قطاع محدد، حيث يرى حمدان أن الفرص مفتوحة في جميع القطاعات، بشرط القدرة على دمج التقنية والبيانات في نماذج الأعمال، سواء في الصناعة أو الخدمات أو الهندسة.
سلاسل الإمداد والأمن السيبراني فرص متنامية
فيما أوضح المضحي، أن مجالات مثل سلاسل الإمداد والأمن السيبراني تمثل فرصًا متنامية، في ظل التحول الرقمي المتسارع.
لا تخلو الصورة من تحديات، إذ يشير المضحي إلى أن بعض الشركات الناشئة لا تزال تواجه صعوبة في عرض منتجاتها بشكل واضح ومقنع، ما يخلق فجوة بين جودة الفكرة وقدرتها على جذب الاستثمار.
هذا التحدي يعكس جانبًا مهمًا في بيئة ريادة الأعمال، النجاح لا يعتمد فقط على الفكرة بل على القدرة على تقديمها، وبناء نموذج أعمال واضح، والتواصل بفعالية مع المستثمرين.
وبين الجرأة والتحفظ، يبدو أن السوق السعودي يتجه نحو نموذج استثماري أكثر توازنًا، يجمع بين الطموح والحذر، وبين الرغبة في اقتناص الفرص والحرص على تقليل المخاطر.

