تعود المساهمات العقارية إلى السوق السعودية بهوية جديدة محاطة بحوكمة وتشريعات لضمان حقوق جميع الأطراف بعد فترة طويلة من الغياب عقب تجارب اتسمت بالعشوائية والتعثر، وفق ما ذكره لـ"الاقتصادية" رؤساء شركات عقارية ومختصون في القطاع.
ووفقا لما ذكره لـ"الاقتصادية" قائمون على تنظيم المساهمات بنظامها الجديد فإن من أبرز التشريعات الجديدة تقديم صاحب المساهمة دراسة جدوى للمشروع، إضافة إلى دخول أطراف مهمة كالمستشار الهندسي، والمحاسب القانوني، ووجود مديرا مساهمة، وشركة مالية تتولى عملية جمع الأموال، كما تتضمن الاشتراطات الجديدة منع جمع الأموال من خلال الأفراد واشتراط وجود شركة مالية متخصصة في جمع أموال المساهمين التي تصل إلى 100 مليون ريال في حدها الأعلى.
وفي يناير الماضي أغلق أول طرح لمساهمة عقارية في السعودية لتنفيذ مشروع سكني في مدينة الرياض بحجم استثماري يبلغ 84 مليون ريال، وقيمة طرح تصل إلى 36 مليون ريال، حيث تمت تغطية الطرح بالكامل.
الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للعقار عبدالله الحماد قال آنذاك عبر منصة إكس "12 دقيقة كانت كافية لإغلاق طرح أول مساهمة عقارية منظمة بالكامل، وهو مؤشر على مستوى الثقة التي بلغتها السوق العقارية في المملكة، ما شهدناه يعكس تطور أدوات التمويل ويعزز الاستثمار في صناعة التطوير بما يسرع وتيرة المشاريع".
كيف تطورت المساهمات العقارية في السعودية
يقول صقر الزهراني الباحث والمتخصص في القطاع العقاري تعود المساهمات العقارية السعودية إلى بدايات مبكرة من القرن الماضي، حيث تشير وثائق تاريخية إلى وجود أول مساهمة عقارية موثقة في مدينة الرياض عام 1360هـ (1941).
في تلك المرحلة، كانت المساهمات تدار كنشاط أهلي تقليدي يقوم على تجميع أموال عدد من الأفراد لشراء أراض أو مزارع، ثم تقسيمها أو تطويرها وبيعها، اعتمادا على الثقة والعرف السائد دون إطار نظامي أو رقابي.
ويضيف "مع الطفرة الاقتصادية المصاحبة لاكتشاف النفط خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، شهدت المساهمات العقارية توسعا كبيرا، خصوصا في المدن الرئيسة مثل الرياض وجدة والدمام. وانتقلت من مشاريع محدودة النطاق إلى مخططات سكنية وتجارية واسعة، مستفيدة من الطلب المتزايد على التوسع العمراني. إلا أن هذا النمو السريع لم يكن مصحوبا بتنظيم مؤسسي أو حوكمة مالية، ما أدى تدريجيا إلى تضخم المخاطر".
ويواصل "في الثمانينيات والتسعينيات، بدأت تتكشف بوضوح مشكلات التعثر وسوء الإدارة والنزاعات القضائية، في ظل غياب الإفصاح المالي، وعدم وجود مدققين مستقلين أو حسابات مخصصة للمشاريع. ورغم صدور محاولات تنظيمية جزئية، إلا أنها لم تكن كافية لمعالجة الخلل الجذري".
وأكد الزهراني أن التحول الحقيقي جاء مع صدور نظام المساهمات العقارية في عام 2023، ولائحته التنفيذية في 2024، ثم اندماجه ضمن نظام الاستثمار العقاري الجديد مطلع 2026، لينتقل هذا النشاط من كونه قائما على الثقة الشخصية إلى إطار استثماري منظم يخضع للترخيص، والحوكمة، والإفصاح، والرقابة المستمرة.
أضخم المساهمات التي طرحت سابقا وأشهر المتعثر منها
يشير صقر الزهراني إلى أن السوق العقاري السعودي شهد مساهمات ضخمة من حيث القيمة وعدد المساهمين، كان بعضها ناجحا وأسهم في تطوير أحياء ومدن كاملة، بينما تحوّل بعضها الآخر إلى ملفات تعثر معقدة، ومن أبرز وأضخم المساهمات المتعثرة: مساهمة شاطئ القطيف في المنطقة الشرقية، والتي تعد من أكبر المساهمات العقارية التي جرى تصفيتها، حيث بيعت أرض المشروع في صفقة تجاوزت 4 مليارات ريال، وأعيدت الحقوق لآلاف المساهمين.
وأيضا مساهمة فجر أبها، التي شكّلت واحدة من أكثر القضايا تعقيدا، وأعيد من خلالها مليارات الريالات لأكثر من 25 ألف مساهم بعد سنوات طويلة من التعثر، ومساهمات حمد العيد، وهي من أقدم ملفات التعثر، إذ استغرق حلها أكثر من 14 عاما، وانتهت بإيداع مئات الملايين في حسابات المساهمين.
و أضاف "بحسب بيانات رسمية، تجاوز عدد المساهمات المتعثرة في بعض الفترات 650 مساهمة، تركزت أعلى قيمها في الرياض وجدة ومكة المكرمة، ما يعكس حجم الإشكال الهيكلي الذي واجه السوق في تلك المرحلة".
كيف تدخلت الجهات المختصة في المساهمات المتعثرة؟
أوضح الزهراني انه أمام تصاعد حالات التعثر وتزايد شكاوى المساهمين، تدخلت الدولة عبر تشكيل لجان مختصة بتصفية المساهمات العقارية المتعثرة، تولت حصر الأصول، وبيع الأراضي، وتتبع التدفقات المالية، وإعادة الحقوق إلى أصحابها. وأسفرت هذه الجهود عن استرداد أكثر من 17 مليار ريال لصالح المساهمين حتى عام 2023.
و قال "هذا التدخل كشف أن جوهر المشكلة لم يكن في جدوى المشاريع بقدر ما كان في غياب الحوكمة والرقابة المالية، حيث أظهرت بعض القضايا وجود تلاعب بالقوائم المالية، وسحب سيولة المشاريع، وتنفيذ مشتريات عبر أطراف ذات علاقة، بل وتحقيق أرباح لمديري مساهمات قبل اكتمال دورة المشروع".
وأكد أنه عند تقييم التجربة، يمكن وصفها بأنها مكلفة لكنها حتمية: نجحت في إعادة جزء كبير من أموال المساهمين، لكنها كشفت أن المعالجة بعد التعثر بطيئة ومكلفة اقتصاديا واجتماعيا، وأكدت أن الحل المستدام لا يكون بالتصفية فقط، بل بالوقاية المسبقة.
وعلق قائلا "لهذا جاء النظام واللائحة التنفيذية الجديدة لينقلا السوق من مرحلة العلاج إلى مرحلة المنع، عبر فرض حوكمة صارمة، وفصل أموال المساهمات، وإلزام الإفصاح، والرقابة المستمرة، والعقوبات الرادعة".
50 مساهمة عقارية تنتظر الطرح في 2026
بدوره، قالت لـ "الاقتصادية": أحمد المانع مدير التمويل والمساهمات العقارية في صكوك المالية التي أعلنت عن إطلاق أول مساهمة عقارية في المملكة بنظامها الجديد أن الشركة طرحت برامج استثمارية بقيمة 8 مليارات ريال منذ انطلاقتها عام 2021 ، مشيرا إلى أن أغلبها يتركز في الصكوك وأدوات الدين والمساهمات العقارية .
وقال "نستقبل طلبات التمويل والمساهمات العقارية من أكثر من 16 ألف شركة مسجلة لدينا وتقدمت بطلبات تمويل و600 ألف مستثمر ما بين أفراد ومؤهلين وشركات"
وأضاف : لدينا انطلاقة قوية جدا في مجال المساهمات العقارية بنظامها الجديد الذي صدر منذ قرابة سنة ونصف ، حيث نتوقع خلال النصف الأول من 2026 طرح 50 مساهمة عقارية تقدمت شركاتها بطلب لنا بهذا الخصوص، حيث أنه يوجد لدينا 1400 مطور عقاري مسجلين لدى صكوك المالية".
وذكر أن المطور العقاري يتقدم بطلب عبر المنصة الإلكترونية التابعة لصكوك ويرفق معها المستندات المطلوبة من دراسة جدوى وصك للأرض وبعد ذلك يتم مراجعتها داخليا وتحليلها من قبل مختصين في الاستثمار والائتمان ومن ثم نعطي الموافقة والعرض للمستثمر لطرح المساهمة بعد ذلك نستكمل اجراءات الموافقات النظامية من خلال الهيئة العامة للعقار وهيئة السوق المالية.
نظام محوكم من خلال وجود 5 أطراف
وأشار إلى أن النظام الجديد للمساهمات العقارية محوكم من خلال وجود خمس أطراف فيه هي المطور العقاري، المستشار الهندسي، المحاسب القانوني ، مدير مساهمة، وشركة مالية لعملية جمع الأموال.
وأوضح أن أي استثمار قابل للربح والخسارة والمخاطرة ، ولكن كعوائد سوق للقطاع العقاري يتم تطوير المشروع سكني او تجاري ومن ثم التخارج منه، ومثل هذه المشاريع تدر أرباحا مابين 30-40 % خلال من سنة ونصف إلى سنتين .
وذكر أنه لا يوجد حد أدنى للدخول في المساهمة العقارية وتبدأ من 1000 ريال ، وقال "هناك حد أعلى لجمع الأموال هو 100 مليون ريال للمساهمة الواحدة ولو كان هناك دخول عيني من مالك الارض نصل إلى جمع 300 مليون ريال وأكثر من ذلك.
تدرس صكوك المالية طلبات 50 شركة عقارية تقدمت لطرح مساهمات عبر نظامها الجديد، وفق ما ذكره لـ "الاقتصادية" مدير التمويل والمساهمات العقارية فيها أحمد المانع، الذي توقع طرح 15 مساهمة خلال النصف الأول من العام الجاري.
تعثر المساهمات سابقا نتيجة ضعف الرقابة وخلط أموال المشاريع
من جهته يرى عبدالله الموسى الخبير المختص في القطاع العقاري أن عودة المساهمات العقارية اليوم تختلف جذريا عن تجارب الماضي، ليس لأنها فكرة جديدة، بل لأن البيئة التنظيمية أصبحت ناضجة.
وأضاف النظام الجديد نقل المساهمات من اجتهادات فردية عالية المخاطر إلى إطار استثماري منضبط، يقوم على الترخيص المسبق، وحسابات الضمان، والإفصاح، وتحديد المسؤوليات.
في التجارب السابقة، كان التعثر غالبا نتيجة ضعف الرقابة وخلط أموال المشاريع واعتمادها على الثقة الشخصية، بينما اليوم أصبحت الحوكمة هي الأساس، وحماية حقوق المساهم مقدمة على سرعة الطرح.
ووصف عودة الشركات إلى المساهمات العقارية بأنها تعكس حاجتها إلى أدوات تمويل مرنة، وتوزيع المخاطر، وتمكين شريحة أوسع من المستثمرين، في ظل سوق لم يعد يقبل المغامرات غير المحسوبة، حيث أن نجاح المساهمات العقارية في مرحلتها الجديدة مرهون بصرامة الأنظمة، واختيار جودة المشاريع.
فيما يشير مطر الشمري المتخصص في القطاع العقاري إلى أنه حال توفر الأنظمة والتشريعات والحوكمة والتراخيص المبنية على شروط يلتزم بها المالك للمساهمة تحت متابعة وإشراف من هيئتي العقار وسوق المال النظام سابقا عشوائيا غير محوكم وكان هناك تخوف من ضياع الحقوق أو من تعثر المشاريع أما الآن فالنظام أقوى والمهم زيادة ثقة.
وقال "لاحظنا اتجاه المستثمرين لطرح مشاريعهم كمساهمات عقارية نظرا لحاجة السوق وارتفاع الطلب على المنتجات العقارية وايضا الحاجة لتوفر السيولة المالية لدعم المشاريع".

