الاثنين, 24 أغسطس 2026|10 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

تدخل العلاقات الاقتصادية السعودية–الفرنسية مرحلة جديدة تتجاوز نموذج التجارة التقليدية إلى شراكة استثمارية وصناعية متبادلة، مدفوعة بتلاقي رؤوس الأموال السعودية مع الخبرات الفرنسية في قطاعات التكنولوجيا والطيران والطاقة والنقل والمياه والسياحة والصناعات المتقدمة.

 تكتسب زيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا على مدار يومين أهمية اقتصادية خاصة، في وقت تتسارع فيه مشروعات رؤية 2030، ويتوسع حضور الشركات الفرنسية في المملكة، بينما يتحول رأس المال السعودي إلى لاعب أكثر أهمية في الاقتصاد الفرنسي، خصوصاً عبر صندوق الاستثمارات العامة.

من التجارة إلى شراكة استثمارية ثنائية

وبحسب تقارير صادرة عن ثلاث جهات حكومية فرنسية، اطلعت عليها "الاقتصادية"، لم تعد العلاقة بين الرياض وباريس قائمة على تبادل السلع والخدمات فقط، بل أصبحت أكثر ارتباطاً بالاستثمار المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير المشاريع الكبرى.

تحتاج السعودية إلى الخبرة الفرنسية في الهندسة والتصنيع المتقدم والطيران والفضاء والطاقة المتجددة والمياه والرعاية الصحية والسياحة والثقافة والذكاء الاصطناعي، في حين تجد الشركات الفرنسية في السوق السعودية فرصة للاستفادة من الإنفاق الاستثماري الضخم المرتبط برؤية 2030، ومشروعات الطاقة والبنية التحتية والسياحة والطيران والرياضة.

يعزز هذا الاتجاه انتقال الشركات الفرنسية إلى نموذج الحضور طويل الأجل، إذ أنشأت عشرات الشركات مقرات إقليمية في الرياض، فيما تجاوز عدد الشركات والفروع الفرنسية العاملة في المملكة 170 شركة، وفق بيانات فرنسية.

السعودية .. مصدر متزايد الأهمية لرأس المال في فرنسا

في المقابل، تتحول فرنسا إلى منصة مهمة للاستثمارات السعودية في أوروبا. ويبرز هنا صندوق الاستثمارات العامة، الذي أعلن استثمار نحو 8.6 مليار دولار في فرنسا بين 2017 و2024، مع تقديرات بأن هذه الاستثمارات أسهمت في دعم آلاف الوظائف والنشاط الاقتصادي الفرنسي.

يكتسب افتتاح الصندوق مكتباً في باريس أهمية تتجاوز وجوده المؤسسي؛ فهو يعكس توجهاً نحو بناء حضور استثماري طويل الأجل بدلاً من الاكتفاء بصفقات منفردة. ويتيح ذلك فرصاً أمام رأس المال السعودي في البنية التحتية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والسياحة والترفيه والخدمات المالية والنقل والرياضة والرعاية الصحية والسلع الفاخرة.

وبذلك، تتحول العلاقة إلى استثمار ثنائي الاتجاه: شركات فرنسية تستثمر في مشاريع التحول الاقتصادي السعودي، ورأسمال سعودي يبحث عن فرص إستراتيجية في السوق الفرنسية والأوروبية.

التجارة تنمو .. والطيران والطاقة في الصدارة

تظهر بيانات إدارة الجمارك وبيانات وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية ومؤسسة بيزنس فرانس، قوة النشاط التجاري بين البلدين. ففي 2025 بلغ إجمالي تجارة السلع نحو 8.21 مليار يورو، منها 4.55 مليار يورو صادرات فرنسية إلى السعودية و3.66 مليار يورو واردات، مسجلة فائضاً تجارياً فرنسياً بنحو 885 مليون يورو.

وخلال الفترة من يونيو 2025 إلى مايو 2026، بلغت الصادرات الفرنسية نحو 4.16 مليار يورو مقابل واردات بنحو 3.49 مليار يورو، بفائض فرنسي يقارب 674 مليون يورو.

وتتسم الصادرات الفرنسية بالتنوع، إلا أن الطائرات ومعدات النقل والآلات والمعدات الصناعية والأدوية ومستحضرات التجميل والسلع الفاخرة والمنتجات الغذائية والمعدات الكهربائية والهندسة والخدمات المهنية تحتل موقعاً بارزاً.

ويظل قطاع الطيران أحد أقوى أعمدة العلاقة. فقد طلبت شركة طيران الرياض 25 طائرة A350-1000 من إيرباص مع خيار لزيادة الطلب إلى 50 طائرة، فيما أعلنت أفيليس السعودية طلبات كبيرة لطائرات الشحن والركاب، بما يعزز ارتباط قطاع الطيران السعودي بسلاسل الصناعة الفرنسية والأوروبية.

مشروعات كبرى تحول الشراكة إلى قيمة صناعية

تتجسد الشراكة بصورة أوضح في المشاريع الكبرى. ويأتي مجمع أميرال للبتروكيماويات في الجبيل، باستثمار يقارب 11 مليار دولار، كأحد أبرز النماذج؛ إذ يجمع بين رأس المال والخبرة السعودية من جهة، والتكنولوجيا والخبرة الصناعية الفرنسية من جهة أخرى، مع توقع بدء التشغيل التجاري في 2027.

وفي الطاقة المتجددة، تشارك توتال إنرجيز في مشروعات شمسية سعودية، بينها مشروع أس سُفُن بقدرة 400 ميجاواط، إلى جانب مشروعات أخرى، بما يعكس انتقال التعاون من الطاقة التقليدية إلى اقتصاد منخفض الكربون.

وفي قطاع المياه، تتمتع الشركات الفرنسية بحضور قوي في التحلية ومعالجة مياه الصرف وشبكات المياه، فيما تشارك شركات مثل ألستوم وRATP Dev وEgis وSystra في النقل والبنية التحتية والتطوير الحضري.

أما العلا، فتمثل نموذجاً مختلفاً يجمع الاستثمار بالسياحة والثقافة والتراث. وحصلت شركات فرنسية على أكثر من 250 عقداً تتجاوز قيمتها ملياري دولار، ما يجعل العلا إحدى أبرز منصات التعاون الاقتصادي طويل الأجل بين البلدين.

الزيارة .. اختبار لتحويل التفاهمات إلى استثمارات

تأتي زيارة ولي العهد في توقيت يتجه فيه الاقتصاد السعودي إلى مرحلة أكثر تركيزاً على التصنيع المتقدم والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والسياحة والبنية التحتية، بالتزامن مع الاستعدادات لمشروعات ضخمة مرتبطة باستحقاقات دولية، ومنها كأس العالم 2034.

من هنا، فإن القيمة الاقتصادية للزيارة لا تقاس فقط بحجم الاتفاقيات التي قد تعلن خلالها، وإنما بقدرة البلدين على تحويل مذكرات التفاهم إلى عقود ومشروعات واستثمارات فعلية، وتعميق سلاسل الإمداد والتصنيع المحلي ونقل المعرفة.

كما تفتح كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس مساحة جديدة للتعاون في الرياضة والترفيه والاقتصاد الرقمي، وتؤكد أن الشراكة لم تعد محصورة في الطاقة والبنية التحتية.

شراكة تتجه إلى مرحلة أكثر عمقاً

تكشف المؤشرات التجارية والاستثمارية والصناعية أن السعودية وفرنسا تتحركان تدريجياً من علاقة اقتصادية تقليدية إلى تحالف استثماري وصناعي متعدد القطاعات. فالسعودية تقدم سوقاً ضخمة ومشروعات طويلة الأجل ورأس مال استثمارياً، بينما تقدم فرنسا التكنولوجيا والخبرة الصناعية والهندسية والعلامات العالمية والقدرة على الوصول إلى سلاسل القيمة الأوروبية.

عليه، تبدو زيارة أغسطس 2026 فرصة لترسيخ هذه المعادلة، وجعل الاستثمارات المتبادلة والمشروعات الصناعية ونقل التكنولوجيا محور المرحلة المقبلة، بما يرفع العلاقة الاقتصادية من مستوى الشراكة التجارية إلى شراكة إستراتيجية ذات أثر طويل الأجل في النمو والاستثمار في البلدين.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية