تتجه الشراكة الخليجية - الأوروبية إلى مرحلة اقتصادية مختلفة تتجاوز إطار التجارة التقليدية نحو الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والبنية التحتية الرقمية وسلاسل الإمداد، مع انعقاد القمة الخليجية - الأوروبية الثانية في الرياض 24 أكتوبر المقبل، بحسب ما ذكره لـ"الاقتصادية" المتحدث الرسمي باسم المفوضية الأوروبية.
جاء ذلك ردا على أسئلة طرحتها "الاقتصادية" على أنرئيس المجلس الأوروبي طونيو كوستا، بمناسبة عقد الأوروبية الخليجية الثانية، التي يمكن أن تشكل منصة لدفع العلاقة نحو نموذج اقتصادي جديد، بمشاريع وشراكات طويلة الأجل قابلة للتنفيذ.
وقال المتحدث الرسمي، إن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى القمة باعتبارها فرصة لإعطاء دفعة سياسية واقتصادية جديدة للعلاقات مع دول مجلس التعاون، في وقت بلغت فيه تجارة السلع بين الجانبين 165.7 مليار يورو في 2025، بزيادة 1.1% عن العام السابق.
أشار إلى أن الأجندة الأوروبية لا تقتصر على زيادة حجم التجارة، إذ تضع المفوضية ضمن أولويات المرحلة المقبلة تطوير الاستثمار والتعاون في الاتصال الرقمي والطاقة والصناعة والابتكار، إلى جانب بناء سلاسل إمداد ومسارات تجارية أكثر مرونة.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الشراكة
وبحسب المتحدث الرسمي باسم المفوضية الأوروبية، فإن من أبرز التحولات التي يمكن أن تحملها المرحلة المقبلة، انتقال التعاون المشترك إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي، إذ تشير توجهات الاتحاد الأوروبي الحالية إلى توسع كبير في الاستثمار في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
أضاف، أن ذلك يفتح مجالا واسعا لشراكات خليجية - أوروبية محتملة في إنشاء وتشغيل مراكز البيانات، والحوسبة عالية الأداء، وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والخدمات السحابية.
وأطلقت المفوضية الأوروبية في يوليو 2026 دعوة لإنشاء ما يصل إلى سبع مصانع ذكاء اصطناعي عملاقة في أوروبا، مع تمويل أوروبي ووطني يصل إلى 10 مليارات يورو.
ومن المتوقع أن تؤدي المبادرة إلى تعبئة ما لا يقل عن 20 مليار يورو من الاستثمارات الخاصة، ما يعني أن الفرص المستقبلية بين الخليج وأوروبا يمكن أن تتجه نحو استثمارات مشتركة في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والصناعات الرقمية.
يأتي ذلك اصة مع امتلاك دول الخليج قدرات تمويلية كبيرة وخططا واسعة للتحول الرقمي، مقابل امتلاك أوروبا قاعدة بحثية وتقنية وشركات متخصصة في عدد من المجالات المتقدمة.
البنية الرقمية.. جسر جديد بين الخليج وأوروبا
وطبقا للمتحدث الأوروبي، فإن المفوضية الأوروبية تطرح ضمن أجندة الاتصال المقترحة تعاوناً يشمل الاتصال الرقمي والنقل والطاقة.
أوضح، أنه من شأن هذا التوجه أن يوسع مفهوم الربط بين المنطقتين من الممرات التجارية التقليدية إلى بنية تحتية رقمية عابرة للحدود، تشمل شبكات الاتصالات، مراكز البيانات، الخدمات السحابية، الأمن السيبراني وتبادل البيانات.
وتؤكد المفوضية أن الرقمنة والاتصال يمثلان بالفعل أحد محاور استراتيجيتها للشراكة مع الخليج، إلى جانب التجارة والاستثمار والطاقة والتحول الأخضر.
مشاريع الطاقة النظيفة مرشحة للتوسع
تأتي الطاقة النظيفة في مقدمة المجالات التي يمكن أن تشهد شراكات استثمارية أكبر بين دول الخليج وأوروبا خلال السنوات المقبلة.
ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى مستويات ضخمة من الاستثمار لدعم التحول في قطاع الطاقة، وتقدر المفوضية احتياجات الاستثمار بنحو 660 مليار يورو سنوياً خلال الفترة 2026–2030، قبل أن ترتفع إلى 695 مليار يورو سنوياً خلال 2031–2040.
وهنا يمكن أن تتقاطع الخبرة والتكنولوجيا الأوروبية مع الاستثمارات الخليجية في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر وتخزين الطاقة والشبكات الذكية، إضافة إلى تطوير تقنيات تخفيض الانبعاثات.
كما أن التعاون يمكن أن يمتد إلى مشاريع خارج أسواق الطرفين، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
من المصانع إلى سلاسل القيمة
وذكر المتحدث الرسمي باسم المفوضية الأوروبية، أن الفرص المستقبلية لا تقتصر على التكنولوجيا والطاقة، إذ تشير أجندة القمة إلى إمكانات في الصناعات المتقدمة واللوجستيات والتمويل.
وقد يعني ذلك انتقال العلاقة تدريجياً من نموذج “التجارة بين الأسواق” إلى نموذج أكثر تعقيداً يقوم على بناء سلاسل قيمة مشتركة، بحيث تدخل الشركات الأوروبية والخليجية في مشاريع إنتاج وتطوير وتمويل وتوزيع مشتركة.
ومن القطاعات التي يمكن أن تستفيد من هذا الاتجاه: الصناعات المتقدمة، المعدات والتقنيات الصناعية، الخدمات اللوجستية، التكنولوجيا المالية، التقنيات الصحية، الأمن السيبراني، الاتصالات والطاقة.
اتفاقية التجارة الحرة .. الملف الأكبر
وبين أنه رغم صعود التكنولوجيا والطاقة إلى واجهة الشراكة، تبقى اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون أحد الملفات الاقتصادية الرئيسية.
وتقول المفوضية الأوروبية، إنها تريد اتفاقية طموحة ومتوازنة وذات قيمة تجارية حقيقية، توفر فرصا جديدة للوصول إلى الأسواق وقواعد واضحة للتجارة والاستثمار.
وفي تطور مهم، تجري المفوضية حاليا عملية تشاور مع الشركات والمستثمرين وغرف التجارة حول تقييم الأثر الاقتصادي لاتفاقية التجارة الحرة المقترحة، وتمتد فترة التشاور حتى 19 أكتوبر 2026.
هذا التطور يعطي القمة في الرياض أهمية إضافية، لأنها تأتي في مرحلة تتحول فيها فكرة اتفاقية التجارة الحرة من ملف تفاوضي طويل الأمد إلى موضوع تدفع المؤسسات الأوروبية باتجاه الحصول على مدخلات عملية من قطاع الأعمال.
السعودية نقطة التقاء التجارة والاستثمار
بالنسبة إلى السعودية، يمكن أن تتقاطع الأجندة الخليجية - الأوروبية الجديدة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمارات والتكنولوجيا وتطوير القطاعات غير النفطية.
كما أن السعودية والاتحاد الأوروبي يشتركان في دعم مشروع ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا، الذي يقوم على تطوير روابط متقدمة في النقل والطاقة والبنية الرقمية.
هذا الأمر يفتح المجال أمام تصور أوسع للمشاريع المستقبلية، بحيث لا تقتصر الشراكة على الاستثمار داخل دولة أو سوق محدد، وإنما تمتد إلى مشاريع إقليمية تربط الخليج بأوروبا وآسيا عبر شبكات نقل وطاقة واتصال رقمي.
منتدى الأعمال .. من البيانات إلى المشاريع
وكشف المتحدث أن منتدى الأعمال المقرر عقده عقب القمة يكتسب أهمية خاصة، إذ يمكن أن يكون المساحة التي تنتقل فيها الأولويات السياسية إلى محادثات مباشرة بين الشركات والمستثمرين.
ومن المتوقع أن تتركز المناقشات حول مشاريع قابلة للتنفيذ في الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والخدمات الرقمية، والصناعات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد والتمويل.
لكن من المهم التمييز بين الفرص التي تتيحها أجندة القمة وبين المشاريع التي تم الإعلان عنها رسميا؛ فإجابات المفوضية الأوروبية لا تعلن حتى الآن عن قائمة محددة لمشاريع استثمارية مشتركة في الذكاء الاصطناعي أو القطاعات الأخرى.
المتحدث قال إن المعطيات الأوروبية تشير إلى أن المرحلة المقبلة من العلاقات الخليجية - الأوروبية، قد تتشكل حول ثلاثة محاور مترابطة: تجارة أكثر انفتاحاً، استثمارات أكبر، وشراكة تكنولوجية وصناعية أعمق.
وبينما تمثل تجارة بقيمة 165.7 مليار يورو قاعدة اقتصادية مهمة للعلاقة، فإن مساحة النمو المستقبلية قد تكون في قطاعات تتجاوز النفط والسلع التقليدية، من الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات إلى الطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة واللوجستيات.
لقاءات تمهيدية تشاورية سابقة
وجرت لقاءات تشاورية بين الجانبين الخليج والأوروبي على هامش انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك أخيرا تم التناقش بينهما حول الاستعدادات للقمة المرتقبة بين الطرفين.
والتقت دوبرافكا شويكا المفوضة الأوروبية لشؤون البحر الأبيض المتوسط مع جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وقالت حينها دوبرافكا شويكا، إن الاتحاد الأوروبي يبحث عن وسبل تعميق شراكتنا الاستراتيجية في ظل بيئة جيوسياسية مليئة بالتحديات، وسط تعاون واسع ومتنام، بدءا من التجارة والاستثمار، وصولا إلى تعزيز الترابط في مجالات الطاقة والنقل والقطاع الرقمي.
كما قال لويجي دي مايو الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج، إن الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى مثل هذه الحوارات المتميزة والصريحة والموجهة نحو تحقيق النتائج.




