الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 8 مارس 2026 | 19 رَمَضَان 1447
Logo
شركة الاتحاد التعاوني للتأمين7.27
(1.39%) 0.10
مجموعة تداول السعودية القابضة139.6
(3.33%) 4.50
الشركة التعاونية للتأمين130.5
(1.16%) 1.50
شركة الخدمات التجارية العربية112.2
(1.08%) 1.20
شركة دراية المالية5.25
(1.74%) 0.09
شركة اليمامة للحديد والصلب36.52
(-1.03%) -0.38
البنك العربي الوطني20.59
(1.93%) 0.39
شركة موبي الصناعية11.14
(-1.42%) -0.16
شركة البنى التحتية المستدامة القابضة26.98
(1.05%) 0.28
شركة إتحاد مصانع الأسلاك16.49
(1.41%) 0.23
بنك البلاد25.98
(0.70%) 0.18
شركة أملاك العالمية للتمويل10.13
(-0.20%) -0.02
شركة المنجم للأغذية50.35
(2.42%) 1.19
صندوق البلاد للأسهم الصينية11.52
(0.09%) 0.01
الشركة السعودية للصناعات الأساسية55.3
(2.50%) 1.35
شركة سابك للمغذيات الزراعية132.9
(2.39%) 3.10
شركة الحمادي القابضة25
(1.50%) 0.37
شركة الوطنية للتأمين12.35
(1.48%) 0.18
أرامكو السعودية25.88
(-0.84%) -0.22
شركة الأميانت العربية السعودية12.9
(0.78%) 0.10
البنك الأهلي السعودي40.9
(0.39%) 0.16
شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات28.38
(-0.77%) -0.22

"الجنابي" .. حرفة تراثية على خطى الصناعات العالمية

سلطان العوبثاني
سلطان العوبثاني من نجران
السبت 7 مارس 2026 15:31 |4 دقائق قراءة
"الجنابي" .. حرفة تراثية على خطى الصناعات العالمية

"السوق مرتبط ببعض".. هكذا يختصر محمد بن شيبان، أقدم بائعي الخناجر في سوق الجنابي الشهير في حي أبا السعود - البلد كما يعرف شعبيا - غربي نجران، طبيعة هذه الحرفة، وصف يستحضر في الذاكرة نماذج من الصناعات العالمية، على غرار تصنيع الطائرات الذي يتم عبر عدة دول لمكوناته، بينما تصنع مكونات الجنبية داخل نطاق سوق واحد لا تتجاوز مساحته ألف متر مربع،  تتوزع فيه المهام والتخصصات بين محاله.

ويبدو الربط بين ورشة صغيرة في نجران ومصنع للطائرات العملاقة في القارة الأوروبية ضربا من الخيال، لكن التمعن في جوهر الصناعة يظهر أن قوتها في تكامل الأدوار لا في تفردها، وأن العظمة لا تصنعها يد واحدة.

وبينما تنفذ مقدمة الطائرة على أعين الصانع الفرنسي في "تولوز"، تتولى المكائن الألمانية تجهيز المقصورة والجسم الداخلي، وهذا المشهد لا يختلف من حيث الجوهر عما يقوم به حرفيو نجران في تطعيم صدر الجنبية بالفضة، وحياكة الجلود على الغمد، وصقل النصل والنقش عليه.

WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.26.38 PM

وفي حين يمنح صانع النصل الجنبية دلالتها الأسمى قديما والمتمثلة في الدفاع عن الحياة، يقوم مصنع الطائرات شمال ويلز بتصميم الأجنحة التي تهب الطائرة قدرتها على التحليق، وكلاهما يمنح الجماد غايته الوجودية.

ويشبه ابن شيبان، السوق بخلية نحل لا تهدأ، حيث تتوزع الأدوار بدقة متناهية، فهناك من تخصص في تركيب "الرأس"، وآخر برع في صياغة "الغلاف"، وثالث يضع بصمته في ترصيع الذهب، حتى تخرج الجنبية النجرانية في حلتها النهائية، ولا سيما تلك المصنوعة من الفضة أو المطعمة بالأحجار، والتي لا تخضع لمفاضلة ثابتة بقدر ما تخضع لذائقة المقتني ورغبته الخاصة.

وكل جزء من "الجنبية" قصة مستقلة، لها اسم وطريقة صناعة وتفاصيل خاصة، تبدأ من "الرأس" أو ما يعرف في نجران بـ "المقبض" ويطلق عليه "القرن" نسبة إلى المادة الطبيعية المستخرجة من قرون الحيوانات التي يشكل منها، وبالتحديد من وحيد القرن الذي بات الآن مهددا بالانقراض.

ويتصل بهذا المقبض "النصل" الحاد التي يسميها أهالي المنطقة "السلة"، لتدخل في غمدها المعروف بـ "العسيب"، ويفصل بين المقبض والعسيب جزء زخرفي يسمى "الصدر" يزدان عادة بنقوش فضية أو ذهبية تعكس مهارة الصانع، ليكتمل المشهد بـ "الحزام" الذي يطوق الخصر.

WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.27.04 PM

يتذكر "ابن شيبان" كيف كانت ملامح السوق قديما، حين لم يكن يضم إلا 10 محال، قبل أن ينمو ويتجاوز اليوم 100 محل، في دلالة على اتساع رقعة هذا التراث وصموده، وهنا يؤكد ابن شيبان أن الجنبية المعروفة بـ"الزراف" تظل هي الدرة الأكثر بهاء في أعين العارفين.

وبين ممرات السوق التي تفوح منها رائحة الجلود، يقف بندر الوايلي، صاحب "دار العقيق"، كواحد من حراس هذا الإرث، حيث يعمل هناك منذ أكثر من عقد.

وقال الوايلي "إن حال السوق يتبدل مع دخول شهر رمضان، حيث يزدحم المكان بوقع الباحثين عن الزينة والوجاهة استعدادا للعيد حين يتفاخر الرجال باعتلاء الجنبية لخواصرهم، وكأنها تقيهم طعنات الخاصرة التي تحفل بها الحياة".

وأضاف: "هذا المكان ليس مجرد سوق، بل هو شاهد عيان على تطور المنطقة وهو في الموقع الحالي منذ 70 عاما، لكن سوق نجران يمتد لأكثر من ثلاثة قرون، وهو يجذب سياحا مدهوشين من أقاصي أوروبا، وإن كانت دهشتهم تقف عند حدود عدسات كاميراتهم دون الشراء".

وصادق الوايلي على أفضلية "الزراف" كأفضل الجنابي حيث تلبس بالفضة وتراوح أسعارها بين 4 و7 آلاف ريال، فيما تصل أسعار بعض القطع النادرة والعتيقة منها إلى 100 ألف ريال.

وتتعدد الخيارات لتشمل "السبيكي" التي يحدد قيمتها نوع الرأس، سواء كان قرنا طبيعيا أو خشبا، ومدى كثافة الفضة والنحاس فيها، بينما تحضر الجنابي "الصينية" المصنعة من البلاستيك كبديل يسير التكلفة، تبدأ أسعاره من 100 ريال.

 أما "الأحزمة" التي تحتضن هذه الجنابي، فهي حكاية أخرى من الصبر والجلد، إذ تحاك يدويا من جلود الأبقار والماعز، وتطرز بأسلاك هندية وفرنسية، وتصنع في اليمن، كما تتجلى الفخامة النجرانية في جنبية "البريكي"، المصنوعة من الفضة الخالصة والمطعمة بفصوص العقيق اليماني.

WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.36.09 PM

ومن وسط السوق، فسر لنا محسن آل صمع، صاحب محل "ركن الخنجر"، حكاية التفاوت في عالم الجنابي، حيث تبدأ الأثمان من 200 ريال لتتصاعد تبعا للندرة حتى تلامس حاجز 200 ألف ريال.

آل صمع يعزو هذا التباين السعري إلى جودة المكونات وأصالتها، فالسعر صورة فورية لطبيعة "المقبض" والذي يصنع من قرون الحيوانات، فضلا عن قيمة التطعيم بالذهب والفضة على الجنبية .

وتتعدد أسماء وأشكال الجنبية بين "المشرقي" و"المكعبة"، و"الدرما"، و"الجنوبي"، وصولا إلى "الصنعاني" لترسم في مجموعها لوحة حية لزينة الرجل الجنوبي.

وأوضح أن مقتني الجنابي الغالية يتعاملون معها كأصول مادية ثمينة وتقايض أحيانا بأراض ومزارع.

ورغم أن أسرار هذه الصنعة تتوزع جغرافيا بين نجران وخميس مشيط، وتمتد جذورها إلى عمان واليمن، إلا أن لكل بقعة لمستها الخاصة، وأوضح آل صمع أن ما يسمى بالجنبية "الصيني" في عرف السوق ليس إلا وصفا لمواد البلاستيك الدخيلة على أجزائها، رغم كونها تصنع بأيد محلية في نجران.

وفي زاوية من السوق، ينزوي معمل لصياغة الفضة، حيث يغرق الصاغة في تفاصيل دقيقة يستغرق تنفيذ الشكل الواحد منها أسبوعا من العمل المضني، وقد تزدان هذه القطع بتطعيمات الذهب التي ترفع سعرها وفقا لوزن المعدن النفيس الداخل في صياغتها.

WhatsApp Image 2026-03-06 at 9.33.58 PM

ولا يقتصر نبض السوق على النصال والفضة، بل يمتد لورش الجلديات التي تخدم صناعة الجنابي، وطوعت مهاراتها القديمة لتواكب العصر أيضا، فباتت تصنع أغلفة للجوالات بنقوش تراثية وفق الطلب. 

ويشير الوايلي إلى أن سوق الجنابي في نجران اليوم بات منصة للتعديل والترميم أكثر منه مصنعا، إلا أنه بحسب وصفه يظل المستودع الأكبر للتنوع، ففيه تلتقي الجنابي المحلية بتلك العمانية والحضرمية والصنعانية. 

الشاهد أن صانع الجنبية النجرانية الذي يقضي أسبوعا في صياغة مقبض "الزراف" لا يختلف في جوهر عمله عن المهندس الذي يراقب دقة تصميم ذيل طائرة الإيرباص في مصنعها على أطراف خيتافي الإسبانية، إذ كلاهما يقدم للعالم قطعة فنية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية