الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

ثمة مؤسسات لا يقاس عمرها بعدد السنوات التي مرت عليها، وإنما بعدد الخطوات التي نجحت فيها بإعادة اكتشاف نفسها. وهكذا تبدو قصة صحيفة «الاقتصادية» بعد أكثر من 3 عقود على صدور عددها الأول.

فمن مطبوعة اقتصادية خرجت إلى القارئ السعودي في مطلع التسعينيات، إلى منصة رقمية تعيد تشكيل أدواتها التحريرية والتقنية، وصولاً إلى تنظيم منتدى في 2026 تحت عنوان «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي»، تبدو المسافة طويلة بين ورق الأمس وذكاء المستقبل اليوم، لكنها في تجربة «الاقتصادية» تبدو امتداداً لمسار واحد: البحث المستمر عن شكل جديد للصحافة الاقتصادية.

تأتي تغريدة رئيس التحرير المؤسس محمد التونسي من داخل هذا المسار لتمنح القصة بعداً إنسانياً لافتاً، حين كتب: «في المكان الذي سكنتُ إليه وسكن إليّ منذ مرحلة التأسيس ـ صحيفة الاقتصادية»، مستحضراً رحلة بدأت عندما طرق محمد البيشي حاليا باب الصحيفة «محرراً مبتدئاً»، قبل أن يعود اليوم إلى المكان نفسه رئيساً لتحريرها اليوم.

إنها ليست مجرد قصة تفوق مهني، بل تختصر في جانب منها قصة جيل كامل من الصحفيين الذين نشؤوا داخل «الاقتصادية» وانتقلوا معها من زمن الصحافة الورقية إلى العصر الرقمي.

التأسيس .. حين كانت الصحافة الاقتصادية بحاجة إلى عنوان جديد

في الثاني من ديسمبر 1992 صدر العدد الأول من «الاقتصادية»، وكان محمد التونسي أول رئيس تحرير لها، واضعاً اللبنات الأولى للصحيفة التي اختارت منذ البداية أن تتميز في مساحة الصحافة الاقتصادية المتخصصة.

كان التونسي أمام مهمة تتجاوز إصدار صحيفة جديدة؛ فالسوق الإعلامية السعودية آنذاك كانت تحتاج إلى صحافة اقتصادية أكثر تخصصاً، وأكثر قدرة على تفسير الأرقام والأسواق والشركات والقرارات الاقتصادية بلغة تصل إلى القارئ العام والمتخصص في الوقت نفسه.

وتولى التونسي رئاسة التحرير حتى 2003، قبل أن تنتقل الدفة إلى عبدالوهاب الفايز، ثم سلمان الدوسري في 2011، ثم عبدالرحمن المنصور في 2014، وصولاً إلى محمد البيشي الذي تسلم قيادة المرحلة الجديدة في يناير 2024.

محمد التونسي .. مؤسس مدرسة «الاقتصادية»

يصعب الحديث عن «الاقتصادية» من دون التوقف عند فصل دراسي يمسمى محمد التونسي، ليس فقط لأنه أول رئيس تحرير، وإنما لأنه ارتبط أسمه بمرحلة التأسيس التي شكلت شخصية الصحيفة.

كان التحدي آنذاك هو بناء صحيفة اقتصادية قادرة على صناعة جمهور متخصص، وفي الوقت نفسه أن تكون قريبة من حركة الاقتصاد السعودي وقطاع الأعمال والأسواق.

لكن المفارقة الأجمل أن المؤسسة التي بدأ التونسي تأسيسها في زمن الورق ستصل بعد أكثر من 3 عقود إلى مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي نفسه موضوعاً رئيسياً في منتدى تنظمه الصحيفة.

من الورق إلى الشاشة .. التحول الذي لم يكن تقنياً فقط

لم يكن الانتقال الرقمي في «الاقتصادية» مجرد تغيير في وسيلة نشر الخبر.

ففي يناير 2024 بدأت الصحيفة مرحلة التحول الرقمي الشامل، مع تدشين موقع مطور وهوية جديدة، في خطوة وصفتها الصحيفة بأنها انتقال من نموذج الصحافة المطبوعة إلى الصحافة الرقمية. وكان التحول يعني عملياً إعادة تعريف دورة الخبر نفسها.

وفي يوليو 2024، وبعد 6 أشهر من بدء الرحلة الرقمية، أعلنت «الاقتصادية» تدشين الموقع المطور والهوية الجديدة وعددا من المنتجات الرقمية، ضمن شراكة إستراتيجية مع «الشرق بلومبرغ».

لم تتوقف الرحلة عند الموقع الإلكتروني. ففي مارس 2025 أطلقت «الاقتصادية» نشرتها الإلكترونية اليومية «966»، لتقدم عبر البريد الإلكتروني مختارات من الأخبار والتحليلات والتقارير، بما يختصر الوقت على القارئ ويقوده مباشرة إلى المحتوى.

وخلال رحلة التحول، توسعت الصحيفة في منتجاتها الرقمية ومنصاتها على «تيك توك» و«لينكدإن» و«واتساب» و«سناب شات»، إلى جانب تطوير حضورها على «إكس» و«إنستجرام» و«فيسبوك»، والاستثمار في أدوات الفيديوغرافيك والموشن جرافيك. إضافة إلى بودكاست هللة الذي وجد صيتا قويا في الأوساط الإعلامية من خلال طروحاته القوية التي جذبت الجمهور.وهذا يعني أن «الاقتصادية» لم تعد صحيفة لها موقع إلكتروني، بالمعنى التقليدي؛ بل أصبحت غرفة أخبار متعددة المنصات، ينتقل فيها المحتوى بين النص والصورة والفيديو والبيانات والمنصات الاجتماعية.

جائزة رقمية .. اعتراف بمسار التحول

لم يكن التحول الرقمي مجرد إعلان داخلي. ففي 2024 حصلت «الاقتصادية» على جائزة مسار الفنون الرقمية في المجال الإعلامي ضمن جوائز المنتدى السعودي للإعلام، في مؤشر على حضور التجربة الرقمية للصحيفة ضمن المشهد الإعلامي السعودي.

واللافت هنا أن الجائزة جاءت في العام نفسه الذي بدأت فيه الصحيفة انتقالها الكامل إلى النموذج الرقمي، ما يجعلها إحدى المحطات المهمة في قصة التحول من مطبوعة اقتصادية تقليدية إلى مؤسسة إعلامية تتعامل مع أدوات العصر الجديد.

محمد البيشي .. من طرق الباب محرراً إلى قيادة غرفة الأخبار

الرجل الذي يقول إنه «طرق باب الاقتصادية محرراً مبتدئاً» يقود اليوم الصحيفة في واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتحولاً. وبين اللحظتين تغيرت الصحافة نفسها.

عندما بدأ البيشي العمل صحفياً، كان المنتج النهائي هي الصفحة المطبوعة التي تنتظر القارئ في صباح اليوم التالي. أما اليوم، فإن رئيس التحرير يدير بيئة إعلامية تعمل على مدار الساعة، وتتعامل مع موقع إلكتروني ومنصات اجتماعية وفيديو وبيانات ووسائط متعددة، وفي الأفق أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل صناعة المحتوى.

وهنا تبدو عبارة البيشي عن «الطموح حين يتمسك به صاحبه على هدى» متصلة بقصة «الاقتصادية» ذاتها. فالصحيفة أيضاً تمسكت بطموحها الأول: أن تكون صحيفة اقتصادية متخصصة، لكنها لم تتمسك بشكلها القديم.

من التحول الرقمي إلى الذكاء الاصطناعي

في 5 أكتوبر 2026 استضافت «الاقتصادية» منتداها تحت عنوان «اقتصادنا والذكاء الاصطناعي» في واحة الملك سلمان للعلوم في الرياض، بشراكة إستراتيجية لمناقشة مستقبل الأعمال ونماذجها الجديدة والاستثمار في اقتصاد الذكاء الاصطناعي. وهنا تصل قصة الصحيفة إلى مفارقة زمنية شديدة الدلالة.

ففي 1992 كان السؤال: كيف نصنع صحيفة اقتصادية متخصصة؟

ثم أصبح السؤال: كيف تنتقل الصحيفة من الورق إلى المنصات الرقمية؟

واليوم أصبح السؤال: كيف يمكن للإعلام الاقتصادي أن يتطور في عصر الذكاء الاصطناعي؟

وبين الأسئلة الثلاثة أكثر من 3 عقود من التطور في صناعة الإعلام والاقتصاد والتقنية.

الذكاء الاصطناعي .. الاختبار الجديد للصحافة الاقتصادية

المرحلة المقبلة لن تكون مجرد إضافة أدوات ذكاء اصطناعي إلى غرفة الأخبار. فالصحافة الاقتصادية تحديداً تمتلك مجالاً واسعاً للاستفادة من الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في تحليل البيانات الاقتصادية والمالية، واستخراج الاتجاهات من قواعد البيانات، ومراقبة الأسواق، وتخصيص المحتوى، وتحويل الأرقام المعقدة إلى قصص أكثر وضوحاً للقارئ.

34 عاماً .. مؤسسة تتغير ولا تفقد ذاكرتها

من الذي وضع اللبنات الأولى في 1992، إلى أجيال من رؤساء التحرير والصحفيين، وصولاً إلى محمد البيشي الذي يقود مرحلة رقمية جديدة، تبدو قصة «الاقتصادية» في جوهرها قصة استمرارية عبر التغيير. الصحيفة لم تدخل عصر الذكاء الاصطناعي من فراغ.

وراء المنتدى الذي يناقش مستقبل الأعمال والذكاء الاصطناعي ذاكرة عمرها 34 عاماً، بدأت بصفحات ورقية، ثم مرت بعصر الإنترنت، ثم الشبكات الاجتماعية، ثم الفيديو والبيانات، ثم التحول الرقمي الشامل.

ولعل أكثر ما تختصره تغريدة التونسي ليس وصول محرر مبتدئ إلى رئاسة التحرير فحسب، وإنما أن المؤسسات الإعلامية التي تصنع كوادرها من الداخل تستطيع أن ترى تاريخها ومستقبلها في الشخص نفسه. أما «الاقتصادية» نفسها، فتبدو كأنها تقول بعد كل هذه السنوات: الورق كان البداية.. والرقمنة كانت التحول.. والذكاء الاصطناعي هو الفصل التالي الجديد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية