تخطط السعودية لمواصلة نشاطها في سوق الدين خلال العام الجاري، لمواجهة الاحتياجات التمويلية المرتبطة بسياسة مالية توسعية، في وقتٍ ارتفع فيه الدين العام تدريجيًا خلال العقد الأخير، دون أن ينعكس ذلك سلبًا على النظرة الائتمانية، التي بقيت مستقرة وقوية.
يشير ذلك إلى تحوّل الاقتراض من كونه عبئًا ماليًا تقليديًا، إلى أداة إدارة اقتصادية تُدار ضمن إطار واضح للاستدامة في ظل تنامي الإنفاق الرأسمالي.
وبحسب الخطة المالية، من المتوقع أن تبلغ الاحتياجات التمويلية للعام 2026 نحو 217 مليار ريال، لتغطية العجز المقدر في الميزانية العامة بنحو 165 مليار ريال، وفق بيان وزارة المالية للعام المالي 2026، إلى جانب سداد مستحقات أصل الدين خلال العام ذاته، التي تبلغ نحو 52 مليار ريال.
ويعكس هذا التوجه تركيزًا واضحًا على تمويل الإنفاق التنموي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة مقارنة بالمعدلات العالمية.
هذا التوازن يفسر محافظة وكالات التصنيف الائتماني العالمية على تقييم إيجابي للاقتصاد السعودي خلال عام 2025، حيث قامت ستاندرد آند بورز برفع التصنيف السيادي من A إلى A+ مع نظرة مستقبلية مستقرة، فيما ثبّتت فيتش التصنيف عند A+ بنظرة مستقرة، وأكدت موديز التصنيف عند Aa3 مع نظرة مستقبلية مستقرة.
وتُجمع وكالات التصنيف على أن قوة الجدارة الائتمانية تعكس عدة عوامل، في مقدمتها انخفاض عبء الدين مقارنة بالاقتصادات النظيرة، وامتلاك السعودية احتياطيات مالية كبيرة، إلى جانب استمرار الإصلاحات المالية وتحسّن تنويع الإيرادات غير النفطية.
ووفق ميزانية 2026، يُقدّر الإنفاق الرأسمالي بنحو 162 مليار ريال، وهو ما يستأثر بمعظم الدين المصدر خلال العام. وبالنظر إلى تبنّي سياسة مالية موجهة ومعاكسة للدورة الاقتصادية، تنحسر تقلبات أسعار النفط على النمو الاقتصادي، ما يتيح للقطاع غير النفطي الحفاظ على وتيرة نمو مستقرة نسبيًا دون تقلبات حادة.
وتمثل هذه السياسة الحلقة التي تربط بين الدين والنمو الاقتصادي، فعندما يُستخدم الاقتراض في تطوير البنية التحتية، من طرق وموانئ وطاقة، إلى جانب المشاريع الصناعية والخدمية، يمتد أثره لسنوات عبر رفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وخلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار الخاص، ما يجعل منافع الاقتراض أعلى من تكلفته.
وتشير التقديرات الأولية إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 4.6%، مدفوعًا بشكل رئيس بنمو الأنشطة غير النفطية، التي باتت تمثل المكوّن الأكثر تأثيرًا في وتيرة النمو الاقتصادي. ويعكس هذا الأداء استمرار التوسع في عدد من القطاعات غير النفطية، في سياق سياسات تستهدف تنويع القاعدة الاقتصادية وتقليص الاعتماد على الأنشطة النفطية.
وفي هذا الإطار، تواصل الحكومة تنفيذ برامج إنفاق تركز على تحسين كفاءة استخدام الموارد، إلى جانب المضي في تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات ذات الأولوية، بما يدعم تطوير البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات العامة.
وعليه، فإن الاقتراض في عام 2026 لا يأتي استجابة لضغوط طارئة، بل ضمن استراتيجية مالية محسوبة، مدعومة بتصنيف ائتماني قوي ونظرة مستقبلية مستقرة.
بينما تُستخدم أدوات الدين لتغطية العجز وسداد الالتزامات، فإن التركيز المتزايد على الإنفاق الرأسمالي يجعل من الاقتراض وسيلة لدعم النمو الاقتصادي غير النفطي، لا عبئًا على المالية العامة.

