الثلاثاء, 18 أغسطس 2026|4 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

يفتح المشروع المشترك بين أرامكو السعودية ومعادن مسارا جديدا لربط القدرات التقنية المتقدمة بالخبرة التعدينية المتخصصة. وهو تكامل قد يسرّع اكتشاف المعادن، ويحسن كفاءة الاستثمار، ويوسع سلاسل القيمة الصناعية داخل السعودية.

وبموجب اتفاقية المساهمين، يُتوقع أن تمتلك معادن 51% من المشروع، مقابل 49% لأرامكو. وسيستكشف الكيان مساحة تبلغ 182 ألف كيلومتر مربع، تعادل نحو 10% من مساحة السعودية.

ويركز المشروع على النحاس، إضافة إلى الزنك والرصاص والعناصر الأرضية النادرة. وهي معادن ترتبط بتوسع شبكات الكهرباء والصناعات التحويلية ومعدات الطاقة والبنية التحتية.

وتقدم أرامكو خبرتها في علوم باطن الأرض والبيانات الجيوفيزيائية والحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تضيف معادن قدراتها في الاستكشاف التعديني وتقييم الموارد وتطوير المناجم والمعالجة الصناعية.

ومن تفاعل هذه القدرات تنشأ القيمة الاقتصادية للمشروع. فالتقنية قد تخفض عدم اليقين الجيولوجي وتوجه الإنفاق نحو الأهداف الأعلى جودة. بينما تتيح خبرة معادن تحويل الاكتشافات الواعدة إلى موارد اقتصادية ومشروعات إنتاجية.

ويتجاوز الأثر المحتمل حدود الشركتين. إذ يتقاطع المشروع مع مستهدفات رؤية 2030 لتنمية التعدين، وتوسيع المحتوى المحلي، وتعزيز ترابط قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات اللوجستية.

قدرات مختلفة تبحث عن قيمة مشتركة

تمتلك أرامكو رصيدا متراكما من البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية، نتج عن عقود من الاستكشاف والحفر. كما طورت قدرات في معالجة البيانات الزلزالية، ونمذجة المكامن، وتحديد مواقع الآبار، وإدارة عمليات الحفر.

وساعدت نماذج الذكاء الاصطناعي الشركة على زيادة الاستفادة من المكامن. كما خفضت متوسط مدة حفر البئر بنحو يومين، وفق تقريرها السنوي لعام 2025.

لكن التعدين ليس امتدادا مباشرا لصناعة النفط. فالبيانات المختلفة تحتاج إلى نماذج مختلفة، كما تتغير طبيعة المخاطر والعمليات. وهنا تظهر القيمة التي تقدمها معادن.

فالشركة تدير واحدة من أكبر برامج الاستكشاف ضمن نطاق جغرافي واحد في الدرع العربي. ووجهت نحو 750 مليون ريال لاستكشاف الذهب والنحاس خلال 2025. كما تبنت أكثر من 60 تطبيقا تقنيا، حققت قيمة تجاوزت 200 مليون دولار، بحسب تقريرها السنوي.

وتستخدم معادن التعلم الآلي لترتيب الأهداف الاستكشافية، وتحسين النماذج الجيولوجية، ورفع جودة البيانات. كما توظف المسوحات الجيوفيزيائية المتقدمة، ومنصة سحابية تجمع البيانات الجيولوجية والجيوكيميائية والجيوفيزيائية.

وتستهدف الشركة خفض دورة الاكتشاف من 4 أو 5 سنوات إلى نحو 18 شهرا. وهذا هدف يوضح أن معادن لا تدخل المشروع بوصفها متلقيا للتقنية. بل تدخل بمنظومة تعدين رقمية يمكن لأرامكو تعزيزها بقوة الحوسبة وعمق البيانات.

التقنية لتحسين قرار الاستثمار

تواجه مشاريع التعدين تحديا اقتصاديا مركبا. فهي تحتاج إلى إنفاق استكشافي مبكر، بينما تبقى الإيرادات بعيدة وغير مؤكدة. وقد يستغرق الانتقال من الاكتشاف إلى الإنتاج أكثر من 16 عاما وفقا لـ"وكالة الطاقة الدولية".

لذلك، لا تقتصر قيمة التقنية على خفض تكلفة الحفر أو المسح. الأهم هو تحسين جودة القرار قبل تخصيص مليارات الريالات لتطوير منجم جديد.

يمكن دمج بيانات أرامكو مع نماذج معادن لتحديد المناطق الأعلى احتمالا للتمعدن. ثم تختبر النتائج ميدانيا عبر المسوحات والحفر وتحليل العينات. وكلما ارتفعت دقة الاستهداف، انخفضت تكلفة كل اكتشاف ناجح.

ماليا، يشبه هذا النهج إدارة خيارات حقيقية. إذ يجري الاستثمار على مراحل، مع تحديث القرار بعد ظهور معلومات جديدة. ويمكن وقف الأهداف الضعيفة مبكرا، وتوجيه رأس المال نحو الفرص الأعلى جودة.

يخفض ذلك رأس المال المعرض للمخاطر، ويحسن العائد على الاستثمار، ويرفع القيمة الحالية للمشروع. كما أن اختصار الزمن بين الاستكشاف والتدفقات النقدية يحد من أثر الخصم المالي وتآكل الجدوى.

وتعزز استثمارات أرامكو التقنية هذه الإمكانات. فقد أعلنت مشروع حاسوب فائق بقيمة 1.4 مليار ريال، يرفع قدرتها الحاسوبية في أعمال التنقيب والإنتاج 7 مرات. كما شغلت أول حاسوب كمي في السعودية، وأطلقت منصة تجارية للحوسبة الكمية في الشرق الأوسط.

وقد تساعد الحوسبة الكمية مستقبلا في مسائل معقدة، مثل تحسين مواقع الحفر وجدولة المعدات والخدمات اللوجستية. إلا أن استخدامها داخل المشروع المشترك لم يُعلن رسميا. لذلك تمثل حاليا خيارا تقنيا طويل الأجل.

وينطبق ذلك على خطط أرامكو للاستحواذ على حصة أقلية مؤثرة في "هيوماين". فالخطوة توسع وصولها المحتمل إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. لكن القيمة الفعلية للمشروع ستعتمد على تحويل هذه القدرات إلى تطبيقات تعدين قابلة للقياس.

من التقنية إلى رؤية 2030

يتقاطع المشروع مع رؤية 2030 عبر مسارين. الأول تحويل التعدين إلى ركيزة ثالثة للاقتصاد. والثاني توطين التقنية والصناعة وسلاسل الإمداد.

فالنجاح لا يتحقق بتصدير الخام وحده. بل يتطلب الانتقال إلى الصهر والتكرير، ثم صناعة الكابلات والمحركات والمعدات الكهربائية والمكونات الصناعية.

كما تحتاج صناعة النفط إلى الأنابيب وأجهزة الحفر والصمامات والمضخات والخزانات والكابلات. وتوفر المعادن المدخل الأساسي لهذه المنتجات، وإن اختلف المعدن المستخدم في كل صناعة.

ويدعم ذلك تسجيل معادن نسبة محتوى محلي بلغت 62% خلال 2025. وشملت جهود التوطين الصمامات الصناعية وهياكل التخزين ومكونات المبادلات الحرارية. وفي المقابل، رفعت أرامكو نسبة توطين مشترياتها إلى 70% عبر برنامج "اكتفاء".

إذا تحولت الاكتشافات إلى مناجم وصناعات تحويلية، يمكن تقليص زمن التوريد ومخاطر الاستيراد. كما ترتفع القيمة المضافة المحلية وتظهر وظائف هندسية وتقنية أكثر إنتاجية.

وعندها يصبح المشروع أكثر من شراكة لاستكشاف النحاس. إنه قناة لنقل منصة تقنية بُنيت في النفط إلى التعدين، ثم تحويل المعادن إلى قاعدة صناعية تدعم الطاقة.

وهذه هي القيمة الأعمق للمشروع، استخدام تفوق أرامكو الحاسوبي لتسريع اكتشاف الموارد، ثم إبقاء جزء أكبر من المعرفة والإنفاق والقيمة داخل الاقتصاد السعودي.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية