من المتوقع أن يستغرق استقرار سلاسل الإمداد مدى زمنيا حتى لو توقف النزاع في الشرق الأوسط فورا، إذ يستلزم الأمر وقتا حتى تتمكن شركات الشحن من تعديل مساراتها، ويتمكن المصنعون من ترتيب طلباتهم، وصولا إلى استعادة السوق ثقتها الكاملة، كما يرى القنصل العام للصين في جدة "يانغ يي" في حوار خاص بـ"الاقتصادية".
القنصل أوضح أنه رغم تأثر تكاليف الشحن وأقساط التأمين بالتوترات في مضيق هرمز، إلا أن عمليات الشحن الصينية إلى ميناء جدة لا تزال مستقرة، مع بلوغ التبادل التجاري بين السعودية والصين 17.7 مليار دولار في أول شهرين من العام الجاري بزيادة 5% على أساس سنوي، حيث مثلت الصادرات الصينية إلى السعودية خلال هذه الفترة 9.8 مليار دولار، بزيادة تناهز 19%.
"يانغ يي" الذي تولى منصبه أخيرا، أوضح أن صادرات الصين إلى السعودية تتركز أساسا في المنتجات الكهروميكانيكية والآلات والمركبات والأثاث والصلب، كما قفزت الاستثمارات الصينية المباشرة 164% إلى 31.1 مليار ريال بنهاية 2024، ويأتي قطاع التصنيع في طليعة هذه الاستثمارات، ما يعكس تفاؤل الشركات الصينية ببيئة الأعمال السعودية.
وإلى الحوار
حدثنا عن التعاون الاقتصادي بين السعودية والصين؟
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية عام 1990، شهدت العلاقات التجارية والاقتصادية الثنائية نموًا سريعًا بفضل رعاية ودعم قادة البلدين، وتُعد المملكة حاليا أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط، بينما حافظت الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري للمملكة على مستوى العالم لسنوات عديدة.
كم بلغ حجم التبادل التجاري خلال الربع الأول من هذا العام؟
في السنوات الأخيرة، استقر حجم التبادل التجاري بين الصين والسعودية عند أكثر من 100 مليار دولار سنويا، وتُصدّر الصين إلى السعودية بشكل رئيسي المنتجات الكهروميكانيكية والآلات والمركبات والأثاث والصلب، بينما تستورد منها بشكل رئيسي الوقود المعدني والمنتجات الكيميائية والبلاستيكية.
وفي أول شهرين من هذا العام، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والسعودية 17.7 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 5.5%، منها صادرات صينية إلى السعودية بقيمة 9.8 مليار دولار بزيادة قدرها 18.7%. ولم تُصدر أي من الدولتين بيانات الجمارك لشهر مارس بعد، ولكن من المتوقع حدوث تقلبات في هذه البيانات نظرًا لعوامل مثل الشحن.
كيف يؤثر الشحن في تدفق البضائع من الصين للسعودية؟
لا تزال عمليات الشحن الصينية في ميناء جدة مستقرة نسبيا، إلا أن إغلاق مضيق هرمز نتيجة للنزاع قد أثر في تكاليف الشحن الدولي وأقساط التأمين ووقت النقل، ما قد ينعكس أيضا على السلع المتداولة. وحتى بافتراض انتهاء النزاع فورا، سيستغرق الأمر وقتا حتى تتمكن شركات الشحن من تعديل مساراتها، وحتى يتمكن المصنعون من ترتيب الطلبات، وحتى تستعيد السوق ثقتها.

صورة(1)
أما فيما يخص الاستثمار، فبحسب الإحصاءات السعودية، بلغ رصيد الاستثمار الصيني المباشر في المملكة 31.1 مليار ريال بنهاية عام 2024، بتدفق استثماري قدره 8.6 مليار ريال في ذلك العام بارتفاع بنحو 164%.
واستحوذ قطاع التصنيع على الحصة الأكبر، تليه قطاعات أخرى كالخدمات المالية والتأمين، والبناء، والتعدين، والتكنولوجيا، والتجارة، والبنية التحتية، والرعاية الصحية. ويُعتقد أنه مع التحسن المستمر لبيئة الأعمال في المملكة، سيزداد تفاؤل الشركات الصينية بالسوق السعودية، وستستثمر فيها، وتمارس أعمالها، وتستفيد من فرص التنمية.
كيف ترون آفاق العلاقات والتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والسعودية؟
تُعدّ الصين والسعودية شريكين استراتيجيين شاملين تربطهما صداقة راسخة، وفي السنوات الأخيرة، وتحت التوجيه المشترك لرئيسي الدولتين، ازدهرت العلاقات الصينية السعودية، وأقام الرئيس شي جين بينغ صداقة عميقة وثقة سياسية متبادلة مع القيادة السعودية، وفي ظلّ تعمّق التوافق بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية السعودية 2030، حقق الجانبان نتائج مثمرة وآفاقًا واسعة في التعاون العملي في مجالات الطاقة الجديدة والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء.
يُمثّل عام 2026 بداية الخطة الخمسية الخامسة عشرة والذكرى العاشرة لإقامة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين والسعودية، خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، ستلتزم الصين بمفهوم الحوكمة العالمية القائم على التشاور والمساهمة المشتركة والمنافع المتبادلة، وستواصل بثبات توسيع الانفتاح رفيع المستوى، وتعزيز بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية، ودفع الاقتصاد الصيني نحو تنمية جديدة ومتميزة.
إن تنمية الصين ستضخ مزيدا من الزخم في النمو الاقتصادي للدول حول العالم، بما في ذلك السعودية، ما سيجلب مزيدا من الفرص الجديدة للتعاون العملي بين البلدين، وفوائد أكبر للشعبين.
الحرب في الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد العالمي.. كيف ترى الصين هذه التوترات؟
يستمر الوضع في الشرق الأوسط في التدهور، حيث تؤثر النزاعات المتصاعدة في الأمن الاقتصادي العالمي وأمن الطاقة، ما يثير قلقًا بالغًا لدى المجتمع الدولي.
طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ أربعة مقترحات بشأن صون وتعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط:
أولا، التمسك بمبدأ التعايش السلمي. إن دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج جيران يعتمد بعضهم على البعض ولا يمكن نقلهم جغرافيا.
من الضروري دعم دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج لتحسين العلاقات فيما بينها، ودفع تشكيل إطار أمني مشترك ومتكامل وتعاوني ومستدام في منطقة الشرق الأوسط والخليج، بما يرسخ أساس التعايش السلمي.
ثانيا، التمسك بمبدأ سيادة الدول. تعدّ السيادة ركيزة أساسية لبقاء وتنمية جميع دول العالم وخاصة الدول النامية الغفيرة، ولا يجوز المساس بها.
يجب احترام سيادة دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها بشكل جدي، ويجب الحفاظ على سلامة أفراد كافة الدول ومنشآتها ومؤسساتها بخطوات ملموسة.
ثالثا، التمسك بمبدأ سيادة القانون الدولي، من الضروري الحفاظ على هيبة سيادة القانون الدولي، ولا يجوز استغلالها بشكل انتقائي، ولا يجوز إعادة العالم إلى عصر يحكمه قانون الغابة.
من الضروري الحفاظ بثبات على المنظومة الدولية المتمحورة حول الأمم المتحدة والنظام الدولي القائم على القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية القائمة على مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
رابعا، التمسك بالتوفيق بين التنمية والأمن. إن الأمن شرط مسبق للتنمية، والتنمية ضمان للأمن. ينبغي لكافة الأطراف خلق بيئة مواتية وضخّ طاقة إيجابية في تنمية دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج.
إن الجانب الصيني على استعداد لتقاسم فرص التحديث الصيني النمط مع دول الشرق الأوسط بما فيها دول الخليج، وتخصيب التربة للتنمية والأمن في المنطقة.




