حوار : محمود لعوتة
كيف تقيم دور الصندوق الدولي للتنمية الزراعية في دعم التنمية الريفية والأمن الغذائي، في ظل التحديات العالمية الحالية؟
انعدام الأمن الغذائي يؤثر في مئات الملايين من الناس حول العالم مع الصدمات المناخية والاقتصادية والجيوسياسية، وتحول أزمات الغذاء إلى أمر طبيعي جديد، فالاستثمار في الصمود الريفي أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وبصفته المؤسسة المالية الدولية الوحيدة التي تركز حصريا على تحويل الاقتصادات الريفية، يلعب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية دورا فريدا من خلال الاستثمار المباشر في المزارعين الصغار والمجتمعات الريفية، الذين يشكلون قلب أنظمة الغذاء العالمية.
الابتعاد عن الاستجابة للأزمات قصيرة الأجلن وردة الفعل نحو بناء مرونة طويلة الأمد لمنتجي المزارعين الصغار، هو الإجراء الأكثر فعالية ضد انعدام الأمن الغذائي.
وهذا يعني أن الاستثمارات في أنظمة المياه، والزراعة المقاومة للمناخ، والوصول إلى الأسواق، والتمويل الريفي تمكن المزارعين والمجتمعات الريفية من توقع الصدمات وتحمل الصدمات.
تظهر خبرة الصندوق الدولي للتنمية الزراعية التي تمتد 50 عاما في الاستثمار في المزارعين الصغار، أن الوقاية ليست فقط أكثر ذكاء بل هي أكثر فاعلية من حيث التكلفة للجميع، إنه استثمار في النمو الاقتصادي والأمن الغذائي والاستقرار.
على مدى العقد الماضي، أظهرت تقييمات تأثير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، أن المشاريع الممولة من الصندوق الدولي لتنمية الزراعة زادت من إنتاج 149 مليون شخص، وزادت من الوصول إلى السوق لـ 153 مليون شخص، وزادت من دخول 188 مليون شخص.
ما الأولويات الرئيسية للصندوق في السنوات المقبلة، خاصة في الدول النامية والأقل نموا؟
من خلال التجديد الرابع عشر لمواردالصندوق الدولي للتنمية الزراعية، نقوم بتعبئة الاستثمارات لمساعدة الدول على تحويل الاقتصادات الريفية وصنع الظروف للنمو الاقتصادي الدائم، والأمن الغذائي، والاستقرار.
الصندوق الدولي للتنمية الزراعية له 3 أولويات، تتمثل في تكامل أعمق في السوق لمساعدة المزارعين على الوصول إلى الأسواق وسلاسل القيمة، وتوسيع فرص العمل الريفية، خاصة للشباب، وتعزيز القدرة على الصمود أمام المناخ والصراعات والصدمات الاقتصادية.
وسيتم تنفيذ هذه البرامج من خلال برامج تقودها الدول وتمكينها من خلال مشاركة القطاع الخاص والابتكار.
كيف يتعامل الصندوق مع تداعيات تغير المناخ وندرة المياه على القطاع الزراعي؟
الصندوق هو أحد أكبر مزودي التمويل المناخي في العالم للزراعة الصغيرة للمزارعين. في 2025، شكل تمويل المناخ 60 % من برنامج القروض والمنح المعتمد للصندوق الدولي للتنمية الزراعية ليبلغ 616.2 مليون دولار، متجاوزا بشكل ملحوظ هدفه البالغ 45 %.
يساعد الصندوق الدولي للتنمية الزراعية المزارعين على تحويل مخاطر المناخ إلى فرص. تدعم استثماراتنا، على سبيل المثال، المحاصيل المقاومة للجفاف، والري الموفر للمياه، وإدارة الأراضي المستدامة، والحفاظ على التربة والمياه.
تساعد البنية التحتية المقاومة للمناخ مثل الطرق المقاومة للفيضانات والتخزين، وأنظمة الإنذار المبكر، المجتمعات على الاستعداد والتعافي من الأحداث الجوية القاسية. وفي الوقت نفسه، يمكن توسيع الوصول إلى التمويل والتأمين المزارعين من الاستثمار في تكيفهم ونموهم.
يستخدم الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أيضا أدوات جديدة، مثل تقاسم المخاطر وأدوات الخسارة الأولى، لتعبئة المزيد من التمويل خاصة من القطاع الخاص، لبناء المرونة وسد الفجوة الكبيرة في التمويل للمزارعين الذين يتكيفون مع تغير المناخ.
على سبيل المثال، في 2022، أصدر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أول سند مستدام له، ليصبح الصندوق الأول والأوحد للأمم المتحدة الذي يقوم بذلك، ومنذ ذلك الحين تجاوز مليار دولار في إصدار السندات المستدامة.
كيف تصف مستوى التعاون بين الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والسعودية؟
السعودية شريك إستراتيجي ذو قيمة عالية وعضو مؤسس في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية. ويشمل تعاوننا تمويل التنمية والتعاون الفني والأمن الغذائي والعمل المناخي والتنمية الريفية.
على مر السنين، تطورت الشراكة إلى ما هو أبعد من المساهمات المالية لتشمل الحوار السياسي، وتبادل المعرفة، والتعاون مع المؤسسات السعودية الرئيسية.
ما أهم البرامج والمبادرات التي تم تنفيذها بالتعاون مع السعودية في مجال التنمية الزراعية والتنمية الريفية؟
عمل الصندوق مع وزارة البيئة والمياه والزراعة، بما في ذلك برنامج دعم فني يدعم سلاسل قيمة القهوة والمانجو في جيزان، ونتعاون أيضا مع مؤسسات مثل الصندوق السعودي للتنمية وصندوق التنمية الزراعي السعودي، خاصة في مجالات الأمن الغذائي، وسبل العيش، والمرونة.
لقد وفر افتتاح مكتب الصندوق في الرياض عام 2019 بوابة مهمة لتعميق تواصلنا مع السعودية، وتقوية الشراكات عبر الخليج، والعمل بشكل أوثق مع مؤسسات التمويل الإقليمية لتوسيع الأثر حيث هو مطلوب أكثر.
كيف تتوافق الشراكة بين الصندوق والسعودية مع أهداف رؤية 2030، خصوصا في مجالات الأمن الغذائي والاستدامة؟
تتماشى الشراكة بشكل وثيق مع تركيز السعودية في رؤية 2030 على الاستدامة، خاصة في إدارة المياه، والتنويع الاقتصادي، والابتكار، والأمن الغذائي.
يعترف كل من الصندوق الدولي للتنمية الزراعية والسعودية بأهمية الاستثمار في أنظمة غذائية مرنة، ودعم القطاع الخاص، وتعزيز الابتكار، ومعالجة التحديات البيئية لضمان الازدهار طويل الأمد.كيف ترى مستقبل الشراكة مع السعودية؟ وهل هناك مشاريع أو برامج جديدة تعمل حاليا بالتعاون؟
اليوم، شراكة الصندوق مع السعودية أقوى وأكثر ديناميكية من أي وقت مضى، ونستكشف فرصا لتعميق التعاون في مجالات الصمود المناخي، وأمن المياه، وتطوير سلاسل القيمة، وبناء القدرات، والابتكار، والاستثمار في الدول الهشة وغير الآمنة الغذائية.
ونرى أيضا إمكانات كبيرة للتعاون من خلال المبادرات الخضراء التي تقودها السعودية ومنصات التنمية الإقليمية، ومن خلال دمج السعودية ومواردها مع خبرة الصندوق في التحول الريفي، يمكننا المساعدة في بناء أنظمة غذائية أكثر مرونة للجميع
ما مساهمة السعودية في برامج الصندوق دوليا، وما تأثير هذه المساهمات في المجتمعات المستفيدة؟
ساهمت السعودية كعضو مؤسس بنحو 536 مليون دولار في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية منذ تأسيسه، ولا تزال واحدة من أهم شركاء المنظمة.
ساعدت هذه الموارد في تمويل مشاريع تحسن الإنتاجية الزراعية، وتقوي الأمن الغذائي، وتخلق فرص عمل، وتزيد من القدرة على الصمود لملايين السكان الريفيين في إفريقيا وآسيا والشرق الأدنى.
على مدى العقد الماضي، زادت المشاريع الممولة من قبل الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، بدعم من السعودية وشركائنا الآخرين، إنتاجا بلغ 149 مليون شخص، والوصول إلى السوق لـ 153 مليون شخص، ودخل 188 مليون شخص
كيف يمكن للتكنولوجيا والابتكار أن يساهمان في تعزيز الإنتاج الزراعي وتحقيق التنمية المستدامة؟
التكنولوجيا والابتكار يجلبان تغييرا حقيقيا في الاقتصادات الريفية والزراعة، بداية من خدمات الري الدقيقة والاستشارات الرقمية إلى التمويل الريفي ومنصات السوق.
تساعد الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي المزارعين على زيادة الإنتاجية، وتقليل النفايات، وإدارة مخاطر المناخ، والاتصال بالأسواق والخدمات المالية، والوصول إلى فرص اقتصادية جديدة، وتعد مهمة بشكل خاص للأجيال الشابة التي تدخل القطاع الزراعي.
كما أن الابتكار يفتح مصادر رأسمال جديدة، من التمويل المدمج إلى السندات المستدامة، ما يمكن شراكات أقوى بين الجهات العامة والخاصة، ما يساعد على توسيع الاستثمار في الزراعة والتنمية الريفية.
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات السعودية والقطاع الخاص في توسيع الشراكات مع الصندوق؟
يمكن للمؤسسات السعودية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص أن تجلب التمويل والخبرة والابتكار والوصول إلى الأسواق، ويمكن أن تساعد مشاركتهم على توسيع نماذج التنمية الناجحة، وتقوية سلاسل القيمة الزراعية، وتعبئة موارد إضافية لدعم الأمن الغذائي والتحول الريفي عبر الدول النامية.
لا يمكن للتمويل العام وحده أن يحقق التحول المطلوب لأنظمة الغذاء العالمية اليوم، فمن خلال دمج رأس المال العام والخاص، يقلل الصندوق الدولي للتنمية الزراعية من مخاطر الاستثمار ويحفز تمويل القطاع الخاص على نطاق واسع.
والمشاريع التي تتمتع بمشاركة قوية في القطاع الخاص تتفوق باستمرار، حيث تحقق مكاسب دخل تقارب 64%، مقارنة بمكاسب أقل بكثير بدون هذا التفاعل.

كيف ترى التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العالمي؟ وما الدور الذي يمكن أن تؤديه المنطقة العربية في معالجتها؟
تزداد تحديات الأمن الغذائي تعقيدا، مدفوعة بضغوط متزايدة الترابط بما في ذلك تغير المناخ، والصراعات، وندرة المياه، وعدم اليقين الاقتصادي.
يمكن للمنطقة العربية أن تلعب دورا قياديا كمحرك للاستثمار والابتكار في مجالات الزراعة، وإدارة المياه، والتكيف مع المناخ، والتعاون الإقليمي. دول مثل السعودية تظهر بالفعل قيادة في هذه المجالات.
ما الدروس التي تعلمتها من التجارب الناجحة التي دعمها الصندوق في مجال التنمية الزراعية والريفية؟
واحدة من أهم الدروس هي أن التغيير الدائم يحدث عندما يوضع سكان الريف في مركز جهود التنمية.
تجمع البرامج الناجحة بين البنية التحتية والمالية والتقنية والوصول إلى السوق والملكية المحلية القوية، وعندما تمكن المجتمعات الريفية، تكون نتائج التنمية مستدامة ومرنة حقا.
كيف يمكن تمكين الشباب والنساء في المناطق الريفية من خلال برامج الصندوق؟
عندما تزدهر النساء والشباب، تزدهر المجتمعات الريفية، تظهر الأدلة أن تمكين النساء والشباب في المناطق الريفية يحقق عوائد مرتفعة بشكل غير متناسب في الإنتاجية والدخل ومرونة المجتمع.
يستثمر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية في النساء والشباب لتعزيز مهاراتهم ومساعدتهم على الوصول إلى الأسواق وسلاسل القيمة والتكنولوجيا والتمويل.
وتمكن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية النساء والشباب من أن يصبحوا فاعلين اقتصاديين نشطين، ورواد أعمال، ومحركين للابتكار داخل مجتمعاتهم.
نعمل أيضا مع الحكومات لوضع سياسات تحسن وصول النساء والشباب إلى الأراضي والخدمات المالية، ما يحول الشباب الريفيين إلى رواد أعمال قادرين على الاستثمار وجذب الاستثمارات وإيجاد فرص عمل.
ندعم أيضا 9 مراكز للأعمال الزراعية في إفريقيا، تعمل كحاضنات ومنصات توظيف، لقد صنعوا أكثر من 59 ألف وظيفة جيدة وأكثر من 8 ألف شركة.
ومع 123 مشروعا نشطا في أكثر من 90 دولة، نصل إلى ما يقدر بـ 19 مليون شاب ريفي حول العالم. واليوم نصف المشاريع الجديدة للصندوق الدولي للتنمية الزراعية مصممة لتحويل حياة وأدوار النساء.
ما الذي يميز الشراكة مع السعودية مقارنة بشراكات الصندوق مع دول أخرى؟
تجمع السعودية بين قيادة قوية في التنمية، وقدرة تمويل كبيرة، والتزام متزايد بالأمن الغذائي والاستدامة والابتكار. بصفتها عضوا مؤسسا في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية وفاعل إقليمي رئيسي، تؤدي السعودية دورا مهما في تعزيز حلول التنمية على الصعيدين الإقليمي والعالمي.
هل تتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توسعا في التعاون بين الصندوق والسعودية في مجالات الزراعة الذكية، وإدارة المياه، والتكيف مع تغير المناخ؟
نعم. تمثل هذه المجالات بعضا من أكثر الفرص الواعدة لتعزيز تعاوننا. تتماشى هذه الخطط بشكل وثيق مع أولويات السعودية ضمن رؤية 2030 ومع التزام الصندوق الدولي للتنمية الزراعية بمساعدة المجتمعات الريفية على التكيف مع تغير المناخ مع تحسين الأمن الغذائي وسبل العيش.
ما الرسالة التي تودين توجيهها للمستثمرين وأصحاب المصلحة في القطاع الزراعي في السعودية بشأن فرص التعاون؟
أصبحت الزراعة بشكل متزايد قطاعا استثماريا استراتيجيا. من خلال التعاون مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، يمكن للمستثمرين دعم المبادرات التي تحقق عوائد اقتصادية واجتماعية، وتسهم في الأمن الغذائي، وتوليد فرص العمل، والمرونة المناخية، وفي النهاية الاستقرار في بعض أكثر مناطق العالم ضعفا.
جذب الصندوق الدولي للتنمية الزراعية مستثمرين بارزين من فرنسا وألمانيا واليابان والمغرب والسويد من خلال إصدار سندات مستدامة تجاوزت مليار دولار منذ 2022 في أسواق رأس المال. تحقق هذه السندات عوائد مالية مع تأثير اجتماعي وبيئي.

