خلال 7 سنوات فقط، انتقلت صناعة السينما في السعودية من قطاع شبه متوقف إلى سوق ترفيهية متنامية تشهد توسعًا ملحوظًا في عدد دور العرض وحجم الإنتاج السينمائي.
ففي عام 2025 وحده، عرضت دور السينما في السعودية 538 فيلمًا، محققة إيرادات تجاوزت 920.8 مليون ريال، مع بيع نحو 18.8 مليون تذكرة. ويظهر هذا الأداء اتساع قاعدة الجمهور وازدياد الإقبال على مشاهدة الأفلام في صالات السينما، ما يؤكد تسارع نمو السوق السينمائية المحلية.
استثمارات تلفاز 11 في القطاع السينمائي
في ظل هذا النمو، تواصل شركات المحتوى المحلية زيادة استثماراتها بهدف بناء صناعة سينمائية مستدامة. وتعد شركة تلفاز 11 من أبرز هذه الشركات، إذ استثمرت منذ عام 2022 أكثر من 110 ملايين ريال في إنتاج الأفلام وتطوير المشاريع السينمائية.
وكشف علاء فادن، الرئيس التنفيذي للشركة، في حديثه لـ"الاقتصادية"، عن خطة طموحة لضخ أكثر من 500 مليون ريال خلال السنوات الخمس المقبلة لدعم الإنتاج السينمائي والتلفزيوني وتوسيع نطاق المشاريع.
أفلام قياسية في شباك التذاكر
أشار فادن إلى أن الشركة قدمت خلال السنوات الماضية أعلى 3 أفلام إيرادًا في تاريخ السينما السعودية بإجمالي تجاوز 97 مليون ريال، وهي: فيلم «سطار» بإيرادات بلغت نحو 39 مليون ريال، فيلم "مندوب الليل" بإيرادات تقارب 28 مليون ريال، فيلم «الزرفة» بإيرادات وصلت إلى نحو 30 مليون ريال.
وتظهر هذه الأرقام نجاح التجارب السينمائية المحلية وقدرتها على جذب الجمهور وتحقيق إيرادات قوية.

بوستر فيلم مندوب الليل.
Screenshot 2026-03-10 104656
صناعة في مرحلة البناء
وأوضح فادن أن ما تحقق خلال السنوات السبع الماضية يمثل تقدمًا سريعًا مقارنة بأي صناعة سينمائية ناشئة في العالم، لكنه شدد على أن القطاع لا يزال في مرحلة بناء الصناعة ولم يصل بعد إلى مرحلة النضج الكامل.
وأشار إلى أن السعودية تمتلك اليوم عناصر أساسية مهمة مثل انتشار دور العرض، ووجود شركات إنتاج محلية، وظهور جيل جديد من صناع الأفلام، إضافة إلى جمهور بدأ يعتاد مشاهدة الأفلام السعودية في السينما. ومع ذلك، فإن بناء صناعة متكاملة يتطلب سنوات من تراكم الخبرات والإنتاج المستمر، إلى جانب منظومة قوية للتمويل والتوزيع والتدريب.
تحديات المواهب والكوادر المتخصصة
يرى فادن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عنصر واحد من عناصر الصناعة، بل في تكامل المنظومة السينمائية بالكامل.
فالمواهب السعودية في مجالات الكتابة والإخراج والتمثيل باتت واضحة، إلا أن توسع الإنتاج يتطلب زيادة عدد الكفاءات المؤهلة. وعلى سبيل المثال، تحتاج السوق إلى عدد أكبر من كتّاب السيناريو القادرين على تطوير قصص تجارية جذابة للجمهور.
أما على المستوى التقني، فقد شهدت الكوادر المحلية تطورًا ملحوظًا، رغم استمرار الاعتماد جزئيًا على الخبرات الدولية في بعض التخصصات المتقدمة، وهو أمر طبيعي في المراحل الأولى لأي صناعة.
أهمية التسويق والتوزيع السينمائي
أكد فادن أن التسويق والتوزيع يمثلان عنصرين حاسمين في نجاح الأفلام، حيث لم يعد نجاح الفيلم مرتبطًا فقط بجودته الفنية، بل بقدرته على الوصول إلى الجمهور والترويج له بذكاء داخل السوق وخارجها.
وأشار إلى أن تجربة تلفاز 11 السابقة في صناعة المحتوى الرقمي قبل دخولها مجال السينما منحتها ميزة مهمة، إذ بنت علاقة مباشرة مع الجمهور عبر الإنترنت من خلال مئات المقاطع والأعمال التي أسهمت في تكوين قاعدة جماهيرية واسعة.
وأضاف أن هذه العلاقة ساعدت الشركة على فهم ذوق المشاهد السعودي وبناء حالة من التفاعل والترقب حول الأعمال قبل إطلاقها. لذلك، لا يُنظر إلى التسويق باعتباره مرحلة لاحقة بعد انتهاء الإنتاج، بل جزءًا أساسيًا من تطوير المشروع منذ بدايته، عبر بناء هوية واضحة للفيلم وتصميم حملات تواصل إبداعية والاستفادة من المنصات الرقمية للوصول إلى الجمهور.
معادلة نجاح الفيلم التجاري
بحسب فادن، يعتمد نجاح الفيلم التجاري على 3 عناصر رئيسية: قصة قوية وجذابة، فهم دقيق للاهتمامات، واستراتيجية فعّالة للتسويق والتوزيع.
وفي المقابل، يظل التحدي الأكبر في الإنتاج هو تحقيق التوازن بين المخاطرة والعائد، خصوصًا في الأفلام التجارية ذات الميزانيات المرتفعة التي تتطلب استثمارات كبيرة وقرارات إنتاجية مدروسة.
دعم الكفاءات المحلية والاقتصاد الإبداعي
منذ دخولها مجال الإنتاج السينمائي، ضخت تلفاز11، 110 ملايين ريال بين عامي 2022 و2025 في مشاريع سينمائية مختلفة.
وشارك في أعمال الشركة أكثر من 10 آلاف متخصص من الكفاءات المحلية في مختلف المشاريع. كما أسست الشركة عدة غرف كتابة أسهمت في تدريب أكثر من 30 كاتبًا وكاتبة من الجيل الجديد.
إضافة إلى ذلك، تعاونت الشركة مع أكثر من 100 مورد وشركة محلية في مجالات الإنتاج والخدمات اللوجستية والمعدات والتصميم، في إطار دعم الاقتصاد الإبداعي وتعزيز مشاركة الشركات المحلية في القطاع.
مبادرات ثقافية لتعزيز مجتمع السينما
أطلقت الشركة أيضًا مبادرة «وادي سينما»، وهي تجربة عرض سينمائي مستقلة بنظام Pop-up تهدف إلى خلق مجتمع ثقافي حول السينما وتشجيع الجمهور على التفاعل المباشر مع الأفلام وصنّاعها.
خطط مستقبلية وإنتاج مستمر
على صعيد الخطط المستقبلية، تعمل الشركة حاليًا على تطوير أكثر من 40 فكرة مشروع في مراحل مختلفة، بدأ عدد منها بالفعل مرحلة الكتابة تمهيدًا لإنتاجها خلال العامين المقبلين.
وتستهدف الشركة إطلاق أعمالها عبر مختلف نوافذ العرض، سواء في دور السينما أو عبر المنصات الرقمية، مع خطة لإنتاج نحو 3 أعمال سنويًا بوتيرة ثابتة. ويأتي أول هذه المشاريع هذا العام عبر مسلسل «الخلاط+».
مرحلة جديدة للسينما السعودية
في ظل هذه الاستثمارات والنمو المتسارع، تبدو السينما السعودية اليوم على أعتاب مرحلة جديدة قد تشهد تحولها من سوق واعدة إلى صناعة متكاملة خلال السنوات المقبلة، مدعومة بزيادة الإنتاج وتطور المواهب وتنامي قاعدة الجمهور المحلي.



