قد يعيد التوسع السريع لشركة "جي دي.كوم" في هونغ كونغ رسم ملامح نموذج العقارات التجارية في المدينة، بعدما استثمرت شركة التجارة الإلكترونية الصينية أكثر من 10 مليارات دولار هونغ كونغي، ما يعادل نحو 1.3 مليار دولار، في عقارات خلال العامين الماضيين.
وتشمل استثمارات الشركة شبكة من المتاجر والمستودعات وغيرها من الأصول، في خطوة قد تقلل أهمية حركة المتسوقين بالنسبة إلى بعض أنشطة التجزئة، مقابل رفع قيمة المراكز اللوجستية والمواقع الاستراتيجية المرتبطة بسلاسل الإمداد، حسب "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
وتأتي هذه الاستثمارات ضمن توسع أوسع لـ "جي دي.كوم" في هونغ كونغ، إذ أعلنت الشركة في يونيو الماضي أنها استثمرت 35 مليار دولار هونغ كونغي في المدينة عبر قطاعات التجزئة والخدمات اللوجستية والتقنية وغيرها.
اختبار لنموذج العقارات التقليدي
وعلى مدى عقود، ارتبطت قيمة العقارات في هونغ كونغ بالموقع بصورة أساسية؛ فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يمرون في شارع أو مركز تجاري، ارتفعت قدرته على جذب الإيجارات والقيمة العقارية.
لكن محللين يرون أن "جي دي.كوم" تختبر نموذجًا مختلفًا، لا تعتمد فيه قيمة العقار فقط على الدخل الذي يدره، وإنما أيضًا على دوره ضمن شبكة أوسع لنقل السلع إلى المستهلكين.
ووصف فرانسيس نيوتون تشيونغ، رئيس مركز دكتورال إكستشينج وعضو مجموعة الخبراء التابعة لوحدة سياسة الرئيس التنفيذي في هونغ كونغ، توسع "جي دي.كوم" بأنه "اختبار ضغط" لنموذج العقارات التقليدي في المدينة.
وقال "إن استمرار اختزال قيمة العقارات في أسعار الأراضي والإيجارات وحركة المارة قد يؤدي إلى النظر إلى جي دي.كوم باعتبارها مجرد مستأجر كبير، بينما تكمن أهمية استثماراتها في الترابط بين العقار والتجارة والخدمات اللوجستية".
استراتيجية تعتمد على الخدمات اللوجستية
وتشمل عمليات الاستحواذ التي نفذتها الشركة مستودعات ومتاجر سوبرماركت ومكاتب ومساكن للطلاب. ويرى محللون أن هذا المزيج يعكس استراتيجية تعتمد على الخدمات اللوجستية أكثر من كونه رهانًا تقليديًا على العقارات.
يرى يان يويجين، نائب رئيس معهد "إي هاوس" لأبحاث العقارات في شنغهاي، أن شراء مساكن الطلاب يوضح طبيعة الاستراتيجية. فرغم عدم ارتباطها بشكل مباشر بنشاط "جي دي.كوم" الأساسي، فإنها توفر دخلًا إيجاريًا مستقرًا وقاعدة عملاء مركزة، ما يتيح للشركة إدخال خدمات التجزئة والتوصيل وغيرها إلى البيئات السكنية.
وقد تتحول بعض الأصول اللوجستية والعقارات المدرة للدخل مستقبلًا إلى صناديق استثمار عقاري أو منصات عقارية أخرى، بما يسمح للشركة بتحرير رأس المال مع الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى البنية التحتية.
تراجع أهمية حركة المارة
وتظهر آثار هذا النموذج بوضوح في قطاع التجزئة، الذي يواجه أصلًا ضغوطًا نتيجة إنفاق سكان هونغ كونغ في البر الرئيسي الصيني وتنامي التسوق الإلكتروني، فيما تراجعت قيمة بعض المتاجر الواقعة في الشوارع التجارية الرئيسية بشكل حاد عن مستويات الذروة.
ويفصل النموذج بين وظائف كانت تتركز تقليديًا في المتجر الواحد؛ إذ يمكن أن يتحول المتجر إلى صالة عرض أو مركز تجربة وخدمة، بينما تتم عمليات التخزين وتجهيز الطلبات في مواقع أخرى.
وقد يؤدي ذلك إلى تراجع أهمية حركة المارة لبعض العقارات التجارية، في مقابل ارتفاع قيمة المواقع الصناعية والأطراف الحضرية إذا كانت تربط المستودعات بالعملاء والأسواق العابرة للحدود، وفقا لـ "ساوث تشاينا مورنينج بوست".
قيمة العقار في حركة السلع
ويجسد مشروع «هونغ شوي كيو» هذا التحول، حيث تخطط «جي دي لوجستيكس» لإنشاء مركز آلي للفرز والنقل، يربط هونغ كونغ بالبر الرئيسي الصيني والأسواق الخارجية، بما يعكس انتقال قيمة العقار من موقعه إلى دوره في حركة السلع وسلاسل الإمداد.
وبالنسبة إلى «جي دي.كوم»، لا تكمن قيمة الموقع فيما يمكن بناؤه عليه فقط، بل فيما يمكن أن يمر عبره من بضائع وحركة لوجستية، ما يختبر قدرة نموذج التخطيط العقاري في هونغ كونغ على مواكبة اقتصاد يعتمد بشكل متزايد على حركة السلع والخدمات.

