لم تعد جودة المباني في السعودية تقاس بتصاميمها المعمارية وحدها، بل بقدرتها على توفير الراحة وخفض استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل، في تحول يعزز دور العمارة في تحسين جودة الحياة، وفق خبراء ومشاركين في معرض سيتي سكيب العالمي 2026.
ويناقش المعرض، المقرر إقامته في مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات "ملهم" خلال الفترة من 16 إلى 19 نوفمبر، دور التصميم المعماري والتخطيط العمراني في تطوير بيئات عمرانية تستجيب لاحتياجات السكان وتوازن بين الاستدامة والكفاءة والقيمة العقارية.
ويرى خبراء أن الهندسة المعمارية باتت عاملا مؤثرا في قرارات شراء العقارات، مع تزايد اهتمام المشترين بجودة الحياة وكفاءة التشغيل وتكامل الخدمات والمرافق.
وقال المهندس عيسى التميمي، الرئيس التنفيذي لشركة آد للهندسة، لـ"الاقتصادية"، إن أبرز ما يمكن أن تقدمه الهندسة المعمارية للبناء الحديث في السعودية هو تحويل جودة التصميم إلى تجربة ملموسة في حياة مستخدمي المباني.
التميمي أوضح أن جاذبية المبنى من الناحية الشكلية لا تكفي وحدها، مشيرا إلى أن جودة التصميم تظهر في وضوح الحركة داخل المبنى، والراحة والخصوصية، وسهولة استخدام المساحات، ومدى استجابة التصميم للمناخ وأنماط الحياة المحلية.
وقال إن تقييم جودة المباني لا ينفصل عن محيطها، بما يشمل سهولة الوصول إليها، وتوافر الظل، والارتباط بالخدمات والمساحات العامة مضيفا أن تحسين جودة الحياة يتطلب تكاملا بين العمارة والتخطيط والنقل والتشغيل، إذ لا يستطيع التصميم وحده معالجة جميع التحديات التي تواجه السكان في تنقلاتهم اليومية.
نجاح العمارة في السعودية يتمثل في إنشاء مبان تجمع بين الجمال والراحة والوظيفة، وتظهر قيمتها في الاستخدام اليومي دون الحاجة إلى شرح فلسفة التصميم، كما يرى التميمي.
من جانبه، قال الدكتور عزام العصيمي، أستاذ الهندسة المعمارية في جامعة جازان، إن تطور الهندسة المعمارية في السعودية أسهم في تغيير أساليب تصميم المباني الحديثة، عبر توظيف التقنيات الهندسية والحلول المناخية لتحسين الكفاءة والاستدامة، مع الحفاظ على الهوية المعمارية المحلية.
أثر هذه التطورات وفقا للعصيمي يظهر منذ المراحل الأولى للتصميم، من خلال تحديد اتجاه المبنى وتوزيع المساحات وتصميم الواجهات ونسب الزجاج بما يتناسب مع المناخ وطبيعة الاستخدام.
وأضاف أن المهندسين ينسقون هذه الخيارات مع التخصصات الهندسية الأخرى، مستعينين ببرامج المحاكاة الرقمية لتقييم تأثير التصميم في الأحمال الحرارية واستهلاك الطاقة وراحة المستخدمين قبل بدء التنفيذ.
وأشار إلى أن تطور العمارة انعكس أيضا على استخدام مواد البناء وأنظمة الواجهات الحديثة، وتطبيق متطلبات العزل الحراري وكفاءة الطاقة وفق كود البناء السعودي، إلى جانب إعادة توظيف عناصر معمارية محلية، مثل الأفنية الداخلية والمظلات والمشربيات، بما يتلاءم مع متطلبات البناء المعاصر.
وقال إن أبرز التحولات في العمارة السعودية يتمثل في الانتقال من النظر إلى المباني بوصفها منشآت إنشائية إلى التعامل معها باعتبارها أنظمة متكاملة، يُقاس نجاحها بمدى تلبية احتياجات السوق وأدائها الفعلي.
وأضاف أن القيمة الحقيقية للتصميم المعماري تظهر في قدرة المباني على توفير الراحة الحرارية وخفض استهلاك الطاقة وتكاليف التشغيل، والاستجابة للظروف المناخية والثقافية في السعودية، بما ينعكس على جودة البناء والحياة.
وفي السياق ذاته، أظهرت نتائج دراسة لشركة "جيه إل إل" حول ديناميكيات سوق السكن في السعودية خلال الربع الأول من 2026 أن المشترين يعطون الأولوية للمجتمعات السكنية التي تجمع بين توافر المرافق والتكلفة المناسبة وجودة الحياة.
وأشارت الدراسة إلى تنامي توجهات الشراء المرتبطة بالجودة في الرياض وجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة وحاضرة الدمام.
ومن المتوقع أن تستعرض مجموعة روشن وشركة الدرعية ورؤى الحرم المكي والمربع الجديد ومسار ورؤى المدينة ومركز الملك عبدالله المالي، خلال مشاركتها في المعرض، مشاريع متعددة الاستخدامات تستهدف تطوير وجهات مترابطة.
وقال المهندس صباح بركات، الرئيس التنفيذي المكلف في المربع الجديد، إن مشاركة الشركة في المعرض تهدف إلى التواصل مع المستثمرين والمطورين والمشغلين الذين سيؤدون دورا محوريا في تطوير مشروع داون تاون الرياض.
وأضاف أن الشركة تعمل، بصفتها المطور الرئيس للمشروع، على إتاحة فرص للشراكة الاستثمارية والمشاريع المشتركة، مشيرا إلى أن المعرض يمثل منصة لاستعراض هذه الفرص وبناء شراكات جديدة وإبراز دور استثمارات القطاع الخاص في تنفيذ رؤية المشروع.
وقال ماوريسيو روداس، عمدة مدينة كيتو السابق، إن جودة الحياة تتحدد بدرجة كبيرة على مستوى الشارع، من خلال سهولة التنقل والوصول إلى المرافق اليومية واستخدام المساحات العامة والشعور بالارتباط بالمحيط.
وأضاف أن أفضل الأماكن هي التي تدمج هذه العناصر في التصميم منذ البداية، معتبرا أن جودة الحياة اليومية تتجاوز في أهميتها المباني بوصفها منشآت مستقلة.
وتضم قائمة المتحدثين في المعرض شوبي خان، الرئيس التنفيذي لمجموعة كناري وارف، وبيير-إيف غيس، والرئيس التنفيذي لباريس لا ديفانس، وديفيد توهيغ، الشريك المؤسس لشركة موراي توهيغ والرئيس السابق للتطوير في محطة باترسي للطاقة، إلى جانب أنوك كويتنبرور، الشريكة في شركة كيه كاب (KCAP).
وتشمل قائمة شركات العمارة العالمية المشاركة والراعية للمعرض بوبولوس، وغيربر للعمارة والمشاريع الدولية، وبايراك وشركائه، وديزاين إنترناشيونال، إلى جانب مطورين وصناع قرار مسؤولين عن مشاريع كبرى في السعودية.

