تشهد السوق العقارية في السعودية تحولًا نوعيًا مع صدور اللائحة التنظيمية للتسويق والإعلانات العقارية، في خطوة تظهر توجهًا واضحًا نحو ضبط الممارسات، وتعزيز الشفافية، وإنهاء حالة التداخل التي سادت بين التسويق والإعلان والوساطة، حيث إنها لا تمثل مجرد تحديث تنظيمي، بل تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الاحتراف والامتثال، بحسب مختصين تحدثوا لـ"الاقتصادية".
ووافق مجلس إدارة الهيئة العامة للعقار على اللائحة التنظيمية للتسويق والإعلانات العقارية، بهدف تنظيم جميع ممارسات التسويق والإعلان العقاري وتعزيز الشفافية وحماية المتعاملين في السوق العقارية.
تنظيم شامل ينهي العشوائية ويعزز الموثوقية
جاءت اللائحة لتضع إطارًا دقيقًا ينظم جميع أنشطة التسويق والإعلان العقاري، مع معالجة واضحة للمخالفات السابقة، خاصة ما يتعلق بالإعلانات المضللة أو غير الدقيقة. كما شددت على ضرورة تقديم معلومات صحيحة وموثوقة، بما يحمي المتعاملين والاستثمارات المليارية ويرفع مستوى الثقة في السوق، بحسب المختصين.
ومن أبرز ما أكدته اللائحة هو التفريق بين الأنشطة العقارية المختلفة، بما يضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات لكل طرف داخل المنظومة.
المشاهير على خط السوق .. والمنافسة ترتفع
ترى نوف بن سعيدان، عضو مجلس إدارة شركة آل سعيدان للعقارات، أن التحديث الجديد سيفتح الباب واسعًا أمام المشاهير وصناع المحتوى للدخول بقوة في سوق الإعلان العقاري.
وتوضح أن الشركات الكبرى ستتجه للاستفادة من تأثير هؤلاء في التسويق، ما يفرض على المسوقين العقاريين الأفراد تطوير أدواتهم ومهاراتهم لمواكبة هذا التحول.
وفي المقابل، تؤكد أن رخصة "فال" لم تفقد قيمتها، بل لا تزال الأساس لممارسة الوساطة والتسويق، مشيرة إلى أن الإعلان يمثل مجرد أداة ضمن منظومة التسويق وليس بديلاً عنها.
3 ركائز تنظيمية
قامت اللائحة على 3 ركائز رئيسية تبدأ باشتراط الترخيص المسبق، إذ لا يجوز نشر أي إعلان عقاري قبل الحصول على ترخيص سارٍ صادر من الهيئة، على أن يكون الترخيص مستقلا لكل عقار على حدة، مع إبراز رقمه في الإعلان بصورة واضحة، سواء تم نشره عبر وسيط عقاري مرخص أو منشأة عقارية مرخصة أو منصة عقارية إلكترونية معتمدة.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في الإفصاح الكامل، حيث ألزمت اللائحة المعلنين بتضمين 8 بيانات رئيسية في كل إعلان عقاري، تشمل الحقوق العينية أو الشخصية محل الإعلان، ووصف العقار وحالته وموقعه وبياناته، وجميع المعلومات المؤثرة في قيمته أو قرار المستهدف، إضافة إلى الخدمات والحقوق المرتبطة به، والنزاعات القائمة بشأنه إن وجدت، ووسيلة التواصل المطابقة للبيانات المقدمة عند طلب الترخيص، واسم المعلن، ورقم ترخيص الإعلان، وتاريخ انتهاء صلاحيته، ورقم رخصة ممارسة النشاط. كما أجازت اللائحة الاكتفاء برقم الترخيص مقرونا برمز QR يتيح الوصول إلى جميع البيانات النظامية.
وفي الركيزة الثالثة، أوجبت اللائحة الإزالة الفورية للإعلان العقاري فور انتهاء الغرض منه أو انتهاء صلاحية ترخيصه، أيهما أسبق، كما ألزمت المنصات العقارية الإلكترونية بتنفيذ ذلك تلقائيا دون حاجة إلى إشعار أو مهلة.
الفرق بين التسويق والاعلان العقاري-01 (1)
ضوابط قانونية تحدد حدود الأدوار
من جانبه، يوضح المحامي والمستشار التجاري عبدالله البرادي أن النظام لا يجيز لغير السعودي ممارسة التسويق العقاري، لكنه يسمح له بالإعلان بشرط الحصول على رخصة "موثوق"، وأن يكون الإعلان لصالح مسوق عقاري مرخص.
ويشدد على أن كل وسيلة تسويقية يجب أن تكون مرخصة، سواء كانت منصة إلكترونية أو إعلانًا عبر مشاهير، كما أن كل عقار يحتاج إلى ترخيص إعلان مستقل، ما يعزز الرقابة ويحد من التجاوزات.
إعادة تشكيل السوق .. الإعلان لم يعد عشوائيًا
يؤكد الخبير العقاري عبدالله الموسى أن ما يحدث حاليًا يتجاوز مجرد تنظيم للإعلانات، ليصل إلى إعادة تشكيل شاملة للسوق العقارية.
ويقول إن الإعلان لم يعد مجرد محتوى ترويجي، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في قرارات الشراء والاستثمار، ما يستدعي ضبطه ضمن أطر نظامية دقيقة تضمن المصداقية.
ويضيف أن التكامل بين "فال" و"موثوق" هو جوهر التنظيم الجديد، موضحًا أن الأولى تحدد من يمارس النشاط العقاري، بينما الثانية تنظم من يقدم المحتوى الإعلاني.
كما يحذر من الفهم الخاطئ الذي يربط "موثوق" بإمكانية ممارسة التسويق العقاري، مؤكدًا أن ذلك يعد مخالفة صريحة.
هل يُسمح لغير السعوديين بممارسة الإعلان أو التسويق العقاري ؟ وما حدود ذلك؟
يُسمح بنطاق ضيق جداً غير السعودي يستطيع حمل رخصة موثوق ونشر محتوى إعلاني عقاري في وسائل التواصل الاجتماعي ويلتزم بما تضمنته اللائحة التنظيمية للإعلانات العقارية في محتوى الإعلان العقاري ومنها رقم الترخيص الصادر من وسيط عقاري مرخص، ودوره ينحصر أنه وسيلة إعلانية ، أما التسويق المباشر والوساطة فلا يحق له
ممارستها.
15 التزاما على المنصات العقارية
سعت اللائحة من مسؤوليات المنصات العقارية الإلكترونية عبر 15 التزاما نظاميا، شملت عدم إتاحة نشر أي إعلان عقاري غير مرخص، وإزالة الإعلانات المضللة أو المخالفة فور اكتشافها، وحذف الإعلان تلقائيا عند انتهاء صلاحية ترخيصه، وعدم السماح بتعديل محتوى الإعلان بعد نشره، إلى جانب ربط المنصات تقنيا بأنظمة الهيئة، وتوثيق حسابات المعلنين عبر النفاذ الوطني الموحد، واستضافة خوادم المنصة داخل السعودية، والاستجابة لطلبات الهيئة بشأن معلومات المستخدمين خلال يومي عمل.
تنظيم يشمل جميع القنوات
ويمتد نطاق تطبيق اللائحة ليشمل جميع ممارسات التسويق والإعلانات العقارية، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، أو المعارض والفعاليات العامة، أو المنصات العقارية الإلكترونية، أو اللوحات الإعلانية، مع اشتراط ظهور رقم ترخيص الإعلان على أي وسيلة ترويجية تستخدم في الإعلان عن العقار. كما أتاحت الهيئة التحقق من نظامية الإعلان عبر خدمة "الاستعلام عن ترخيص الإعلان العقاري" من خلال إدخال رقم الترخيص.
ضبط العلاقة بين التسويق والإعلان
فرقت اللائحة بين التسويق العقاري والإعلان العقاري والوساطة العقارية، إذ عرفت التسويق العقاري بأنه منظومة ترويج شاملة تشمل التخطيط والتنفيذ، بينما اعتبرت الإعلان العقاري نشاطا محددا يتمثل في نشر محتوى يروج لعقار بعينه، ويخضع لترخيص مستقل لكل إعلان، في حين تبقى الوساطة العقارية نشاطا قائما على التوسط لإتمام الصفقة مقابل عمولة وفق إطار تنظيمي مستقل. وبذلك ترسم اللائحة حدودا واضحة بين الأدوار المختلفة في السوق، وتؤسس لمسار أكثر انضباطا وشفافية للإعلان العقاري في السعودية.
5 محظورات صريحة
حظرت اللائحة على المرخص له والمعلن ارتكاب 5 مخالفات رئيسية، تشمل الإساءة للغير في أي إعلان عقاري، أو نشر بيانات وهمية بهدف جمع معلومات المتلقين، أو استخدام وسائل تواصل تختلف عن البيانات المقدمة عند طلب الترخيص، أو استخدام شعار الهيئة أو أي جهة حكومية دون مسوغ نظامي، أو تضمين بيانات تخالف الواقع أو توحي بما لا يتوافق مع طبيعة العقار.
فرز السوق: بقاء للأكثر احترافية
من جهتها، ترى المسوقة العقارية العنود عبدالعزيز أن اللائحة ستقود إلى "فرز حقيقي" داخل السوق، حيث سيبقى الأكثر التزامًا ومهنية.
وتؤكد أن رخصة "فال" تمثل الأساس المهني والأخلاقي، بينما "موثوق" تهدف إلى تنظيم الفضاء الرقمي ومنع الفوضى الإعلانية، مشيرة إلى أن التأثير الإيجابي للتنظيم سيظهر على المدى البعيد من خلال بيئة أكثر وضوحًا وثقة.
فرص إستراتيجية للمحترفين
يتفق المختصون على أن التنظيم الجديد يفتح الباب أمام فرص كبيرة للمحترفين القادرين على العمل ضمن منظومة متكاملة تشمل:
الالتزام برخصة "فال" لممارسة النشاط وجود عقود وساطة واضحة إصدار تراخيص إعلان نظامية لكل عقار التعاون مع معلنين مرخصين برخصة "موثوق"
هذا النموذج يعزز التنافسية، ويمنح الأفضلية لمن يجمع بين الامتثال والاحترافية.
مرحلة جديدة بثقة أعلى
في المحصلة، تدخل السوق العقارية السعودية مرحلة أكثر نضجًا وتنظيمًا، حيث لم يعد هناك مجال للممارسات العشوائية أو الإعلانات المضللة.
ومع وضوح الأدوار وصرامة الضوابط، يبدو أن مستقبل السوق يتجه نحو بيئة أكثر شفافية واستدامة، يكون فيها النجاح حليف الملتزمين فقط.
وتضمّنت اللائحة 12 مادة، تناولت أحكام إصدار التراخيص للإعلانات العقارية، واشتراطات المحتوى الإعلاني العقاري، والمحظورات المتعلقة به، والتزامات المرخص له عند ممارسة نشاط التسويق العقاري، فضلًا عن التزامات المنصات العقارية الإلكترونية، وتسري أحكام اللائحة على جميع وسائل التسويق والإعلان العقاري، شاملةً منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة واللوحات الإعلانية والمعارض والفعاليات والمنصات العقارية الإلكترونية.
وبينت الهيئة أن اللائحة أوجبت الحصول على ترخيص إعلان عقاري مستقل قبل نشر أي إعلان عقاري و يتقدم بطلبه الوسيط العقاري أو المنشأة العقارية المرخصة، متضمنًا 8 بيانات إلزامية أبرزها وصف العقار وحالته وموقعه واسم المعلن ورقم الترخيص بارزًا وتاريخ انتهاء صلاحيته، مع إجازة الاكتفاء برمز الاستجابة السريع (QR) بديلًا عن عرض هذه البيانات تفصيليًا.
وأعفت اللائحة المرخص لهم بتسويق كامل المشروع العقاري بموجب أنظمة أخرى من اشتراط إصدار ترخيص إعلان عقاري، ومنهم المرخص لهم في المساهمات العقارية وبيع المشاريع وتأجيرها على الخارطة والمزادات العقارية، مع وجوب ذكر رقم الرخصة والالتزام بما ورد في اللائحة التنظيمية من ضوابط واشتراطات.
وأضافت هيئة العقار أنه فيما يتعلق بالمنصات العقارية الإلكترونية، فقد أوجبت اللائحة عليها خمسة عشر التزامًا تقنيًا وقانونيًا وتشغيليًا، أبرزها الربط التقني بأنظمة الهيئة واستضافة الخوادم داخل السعودية وتوثيق حسابات المعلنين عبر النفاذ الوطني الموحد وعدم إتاحة نشر أي إعلان غير مرخص، مع الاستجابة لطلبات الهيئة خلال يومَي عمل وإشعارها قبل التوقف عن النشاط بعشرة أيام عمل على الأقل.
وحظرت اللائحة نشر البيانات الوهمية أو المضللة واستخدام هوية الهيئة أو أي جهة حكومية دون مسوّغ نظامي، وأوجبت إزالة الإعلان فور انتهاء الغرض منه أو انتهاء ترخيصه أيهما أسبق، وتطبق اللائحة التنظيمية العقوبات على ما يتم رصده من مخالفات وفق جدول تصنيف المخالفات والعقوبات الوارد في اللائحة التنفيذية لنظام الوساطة العقارية.