قد لا يبدو الحديث عن "نهاية" الوظائف أمرا مبشرا، لكنه بات حاضرا بقوة في نقاشات مستقبل الاقتصاد البريطاني. ففي توقعاته لـ2026، أشار مركز الأبحاث البريطاني "ريزوليوشن فاونديشن" إلى مؤشرات مبكرة ومشجعة على إعادة هيكلة سوق العمل، تتمثل في إلغاء الوظائف منخفضة الإنتاجية لإفساح المجال أمام وظائف أكثر كفاءة وإنتاجا.
رغم قسوة هذا المسار، إذ إن فقدان الوظائف يترك آثارا اجتماعية مؤلمة ويفرض توفير دعم للعاملين المتضررين، فإن البعض يرى أن هذا "التطهير" قد يكون ثمنا محتملا لتحقيق ما يحتاجه الاقتصاد البريطاني بشدة: نمو الإنتاجية، حسب "فاينانشيال تايمز".
لفهم هذه الفكرة، يكفي النظر إلى الفوارق الهائلة في مستويات الإنتاجية بين الشركات والقطاعات. ففي قطاع البناء، الموظف في أعلى 10% من الشركات الأكثر إنتاجية يحقق إيرادات للشركة تعادل نحو 17 ضعف ما يحققه الموظف في أدنى 10% من الشركات الأقل إنتاجية داخل القطاع نفسه. تاريخياً، لم يأتِ نمو الإنتاجية فقط من تبني تقنيات جديدة أو أفكار مبتكرة، بل أيضاً من تقلص الشركات والوظائف ضعيفة الكفاءة، التي يُطلق عليها اقتصاديا "الشركات الزومبي".
لكن خلال العقدين الأولين من الألفية، بدا أن الاقتصاد البريطاني، شأنه شأن اقتصادات متقدمة أخرى، أصبح أقل قدرة على التخلص من هذه "الوظائف الزومبي". فقد تراجع معدل انتقال الوظائف بين الشركات المتقلصة وتلك المتنامية، كما انخفضت حركة العمالة بين القطاعات. ففي السنوات الـ5 التي سبقت 2001، انتقل أكثر من 11% من العاملين بين القطاعات، بينما تراجعت هذه النسبة إلى أقل من 7% بحلول 2019.
شركات الزومبي (Zombie Companies) هي شركات مثقلة بالديون، تولد أرباحًا تكفي فقط لتغطية تكاليف التشغيل ودفع فوائد الديون، لكنها عاجزة عن سداد أصل الدين أو الاستثمار في النمو، وتعيش بشكل مصطنع بفضل إعادة تمويل الديون المستمرة أو الدعم الحكومي أو المصرفي، مما يجعلها "أحياء أموات" اقتصادياً وعرضة للإفلاس عند تغير الظروف الاقتصادية.
المؤيدون لهذا السيناريو يرون اليوم بوادر انعكاس لهذا الاتجاه. إذ تشير البيانات إلى أن انتقال الوظائف بين القطاعات بات أسرع نسبياً، كما سجل 2024 أعلى معدل لإغلاق الشركات منذ 2011. ويطرح ذلك تساؤلا مهما: هل أسهمت أسعار الفائدة المرتفعة، وتكاليف الطاقة، وزيادة الحد الأدنى للأجور في تسريع خروج القطاعات الأقل كفاءة من الاقتصاد؟
غير أن التحدي الأساسي هو أن انتقال العاملين من وظائف إلى أخرى لا يعني بالضرورة تحسناً في الإنتاجية. إذ تُظهر البيانات، استناداً إلى دراسة عن تشيلي بين عامي 2005 و2016، أن نحو 51% فقط من هذه الانتقالات كانت باتجاه شركات أكثر كفاءة، وهي نسبة تحقق مكاسب صافية محدودة في الإنتاجية. وفي المقابل، قد تتضرر أحياناً شركات منتجة نتيجة عمليات الخروج الواسعة من السوق.
لا يوجد ما يضمن أن انتقال العمالة بين القطاعات يقود دائماً إلى وظائف أعلى إنتاجية. ففي العقدين الماضيين، كان قطاع التصنيع – وهو من القطاعات ذات الإنتاجية المرتفعة – من أسرع القطاعات فقداناً للوظائف في بريطانيا. وقد تعكس هذه التحولات إما مكاسب كفاءة تقلل الحاجة إلى العمالة، أو تغيرات في الطلب الاستهلاكي، وليس بالضرورة تحسناً هيكلياً.
تاريخيا، لم يكن انتقال الوظائف بين القطاعات مساهماً رئيسا في نمو الإنتاجية الكلية. ففي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، يعود تباطؤ الإنتاجية في العقد الماضي إلى تراجع الكفاءة داخل القطاعات نفسها. أما الجائحة، فقد رفعت الإنتاجية مؤقتاً نتيجة توقف قطاعات خدمية منخفضة القيمة، وهو "تحسن" ظرفي لا يمكن التعويل عليه.
في المحصلة، لا تزال مؤشرات "تطهير الزومبي" في بداياتها، ولم تترافق بعد مع طفرة في خلق وظائف جديدة. وحتى الآن، يبدو أن تحسن الإنتاجية ناتج عن قلة عدد العاملين أكثر من تحسن نوعية العمل نفسه. والنهاية السعيدة، إن وجدت، لن تتحقق إلا إذا جرى استبدال الوظائف الضعيفة بوظائف أقوى وأكثر إنتاجية، لا بمجرد اختفائها من المشهد.

