ينسب للفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس قوله: "التغيير هو الثابت الوحيد"، وبعد مرور نحو 2500 عام، يستحضر الرؤساء التنفيذيون في الولايات المتحدة حكمته اليوم كما يبدو.
فوفقا لتقرير نشرته شركة "بي دبليو سي" الاستشارية يوم الاثنين، بدأ التنفيذيون في قبول الرسوم الجمركية بوصفها "الوضع الطبيعي الجديد"، ويستعدون لتحمل هذه الرسوم حتى بعد مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمنصبه. وفي استطلاع شمل 633 مسؤولاً تنفيذياً في الولايات المتحدة أُجري الشهر الماضي، وجدت الشركة أن 86% منهم يرون الرسوم الجمركية افتراضا دائما في خططهم المستقبلية.
قالت كريستين بول، الشريكة في ممارسات الجمارك والتجارة الدولية بشركة "بي دبليو سي" لمجلة "فورتشن": "لم يعد الرؤساء التنفيذيون يخططون بناءً على رسوم قصيرة الأجل، بل يرونها جزءا من القواعد الجديدة لممارسة الأعمال، ويتوقعون استمرارها لسنوات".
ورغم قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم التي فرضها ترمب بموجب "قانون القوى الاقتصادية الطارئة"، إلا أن حالة عدم اليقين لا تزال تخيم على مستقبل ضرائب الاستيراد الأمريكية.
عقب هذا الحكم، فرض ترمب رسوما عالمية بنسبة 15% بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والتي تمنحه صلاحية فرض رسوم مؤقتة لمدة 150 يوماً دون موافقة الكونجرس، ومن المقرر أن تنتهي هذه الرسوم في 24 يوليو. كما لا تزال الرسوم المفروضة بموجب المادة 301، التي استند إليها ترمب في ولايته الأولى 2018، سارية المفعول.
وكان مكتب الميزانية في الكونجرس قد توقع، قبل قرار المحكمة العليا، أن تجني الحكومة الفيدرالية أكثر من 4 تريليونات دولار من عائدات الرسوم الجمركية خلال السنوات الـ10 المقبلة.
وبينما تواجه الشركات تحديات مستمرة في سلاسل التوريد، والتي تعقدت أكثر بسبب الحرب في إيران، يتعين عليها أيضاً اتخاذ قرار بشأن المطالبة باسترداد الرسوم التي دفعت قبل قرار المحكمة العليا الأمريكية. وبما أن المحكمة العليا لم تضع تفاصيل محددة لكيفية تحديد المبالغ المستردة، فقد كلفت محكمة التجارة الدولية ومكتب الجمارك وحماية الحدود بوضع آلية الاسترداد. ومن المقرر إطلاق المرحلة الأولى من نظام الدفع الآلي الأسبوع المقبل، على أن يستغرق توزيع المبالغ نحو 45 يوماً بعد ذلك.
وتنصح كريستين بول الشركات قائلة: "نصيحتنا بسيطة: تحركوا الآن. ادمجوا الرسوم في نماذج التسعير، وسلاسل التوريد، ونماذج التشغيل، وحافظوا على المرونة".
ورغم بصيص الأمل في استرداد بعض الأموال، اضطرت شركات عديدة لاتخاذ قرارات صعبة. شركة "لامبورجيني"، على سبيل المثال، حققت رقماً قياسياً في التسليمات الربع الماضي، لكنها سجلت انكماشاً في الربحية، ويرجع ذلك جزئياً إلى استنزاف الرسوم لهوامش التشغيل.
ولم تكن "لامبورجيني" وحدها؛ فقد أظهر استطلاع أجرته شركة "كي بي إم جي" في فبراير أن أكثر من نصف الشركات الأمريكية تعاني تآكل هوامشها الربحية، بينما أفاد 70% منها بأنهم أجلوا استثمارات كبرى نتيجة لهذه الرسوم.
كما دفع عدم اليقين بشأن المبالغ المستردة بعض المستوردين إلى اللجوء لخيارات قاسية لتوفير السيولة. فقد باع بعضهم حقوق مطالبهم بالاسترداد لصناديق تحوط ومتخصصين في التصفية مقابل جزء بسيط من قيمتها الحقيقية، وذلك لتجنب انتظار المبالغ أو المخاطرة بعدم استلامها.
بينما اختار آخرون الاحتفاظ بحقوق المطالبة ولكن تم استخدامها كضمانات للقروض. ومع ذلك، تظل المخاطر قائمة، فقد ترفض الحكومة المطالبة، أو قد تتجاوز فوائد القرض قيمة المبلغ المسترد حال تأخره.
يختتم أليكس هينيك، الرئيس التنفيذي لشركة "إيه. دي. هينيك وشركاؤه" المتخصصة في استرداد الأصول المتعثرة، المشهد بقوله لمجلة "فورتشن": "لقد وصلنا إلى نقطة قد لا يجد فيها البعض خياراً آخر، إما بيع مطالبهم المالية أو الاقتراض بضمانها لمجرد الاستمرار في تشغيل أعمالهم".

