يفتح توحيد ملكية شركات الاتحاد والأهلي والنصر تحت مظلة صندوق الاستثمارات العامة مرحلة جديدة في مشروع تخصيص الأندية، تنتقل فيها المسألة من إعادة ترتيب هياكل الملكية إلى اختبار السوق: كم تبلغ قيمة كل ناد؟ وكيف يدخل المستثمر الخاص؟ وما الضمانات التي تحمي هوية النادي وحقوق المستثمر بعد الصفقة؟
ويأتي ذلك في وقت قدمت فيه صفقة انتقال 70% من شركة الهلال إلى المملكة القابضة أول مرجعية فعلية لدخول رأس المال الخاص إلى أحد الأندية الأربعة، بعد تقييم حقوق ملكية شركة الهلال بنحو 1.2 مليار ريال، فيما تم تقييم كامل المنشأة بـ1.4 مليار.
ويرى مختصان تحدثا لـ«الاقتصادية» أن توحيد الملكية يجعل هيكل شركات الأندية أكثر وضوحا أمام المستثمر ويسهل التعامل مع حصصها، لكنه لا يرفع قيمتها تلقائيا، إذ يبقى تقييم كل شركة مرتبطا بأدائها الرياضي وإيراداتها وجماهيريتها وأصولها وعقودها التجارية وقدرتها على النمو.
من هيكل مزدوج إلى مالك واحد
أعلنت وزارة الرياضة بدء إجراءات نقل ملكية أسهم المؤسسات غير الربحية، التي تمثل 25% من أسهم شركات أندية الاتحاد والأهلي والهلال والنصر، إلى صندوق الاستثمارات العامة، بعد استيفاء الإجراءات النظامية اللازمة، إلى جانب حل مجالس إدارات تلك المؤسسات.
وكان الصندوق قد استحوذ في 2023 على 75% من شركات الأندية الأربعة ضمن مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية، فيما آلت الحصة المتبقية إلى المؤسسات غير الربحية.
وقال الدكتور محمد فضل الله، الخبير في القانون الرياضي الدولي، لـ«الاقتصادية»، إن نقل الحصة المتبقية يتجاوز كونه تغييرا في هيكل المساهمين، إذ ينهي ازدواجية الملكية وصناعة القرار ويبسط هيكل الحوكمة.
وأضاف: «توحيد الملكية الكاملة تحت مظلة الصندوق ينهي أي ازدواجية في صناعة القرار، ويبسط هيكل الحوكمة، ويجعل كل ناد شركة ذات مالك واحد واضح».
وبالنسبة إلى الاتحاد والأهلي والنصر، يعني ذلك وجود هيكل ملكية موحد يمكن أن يقلل التعقيدات أمام أي مستثمر محتمل عند التفاوض على شراء حصة أو الدخول شريكا في الشركة.
كيف يدخل المستثمر؟
من الناحية القانونية، يرى المستشار سعود الرمان أن الهيكل الجديد يجعل دخول المستثمر الخاص أكثر سهولة، في ظل تحول النادي إلى شركة ذات أسهم وملكية محددة.
وقال لـ«الاقتصادية» إن المستثمر يمكنه الدخول من خلال شراء أسهم قائمة أو زيادة رأس المال، بدلا من التعامل مع ناد بهيكل غير ربحي تقليدي، مشيرا إلى أن ذلك يتفق أساسا مع توجه مشروع تخصيص الأندية نحو تمكين الملكية والاستثمار الخاص.
وبذلك، لا تقتصر أهمية توحيد الملكية على وجود مساهم واحد، بل تمتد إلى وضوح الأصل محل الاستثمار وآلية الدخول إلى رأس المال، سواء عبر انتقال جزء من ملكية المساهم الحالي أو ضخ أموال جديدة في الشركة.
لكن سهولة تنفيذ الصفقة من الناحية القانونية والهيكلية لا تجيب عن السؤال الأصعب أمام المستثمر: ما السعر العادل لحصة في شركة النادي؟
الهلال يضع أول مرجعية
تمنح صفقة الهلال السوق نقطة مقارنة فعلية، بعد اتفاق صندوق الاستثمارات العامة وشركة المملكة القابضة على استحواذ الأخيرة على 70% من شركة النادي.
وتمت الصفقة على أساس قيمة منشأة كلية لشركة الهلال بلغت نحو 1.4 مليار ريال، فيما بلغ تقييم حقوق الملكية 1.2 مليار ريال، ووصل المقابل المحدد للاستحواذ على حصة الـ70% إلى 840 مليون ريال.
وتوفر هذه الأرقام مرجعية عملية عند مناقشة تقييم شركات الأندية الأخرى، لكنها لا تعني إمكان تطبيق تقييم الهلال مباشرة على الاتحاد أو الأهلي أو النصر.
ويرى فضل الله أن توحيد هياكل الملكية لا يقود بالضرورة إلى تقارب قيم الأندية، لأن المستثمر لا يشتري الهيكل القانوني وحده، وإنما يقيم قدرة كل شركة على توليد الإيرادات والنمو وتحقيق عائد على رأس المال.
5 عوامل تحدد قيمة النادي
يأتي الأداء الرياضي والنتائج، ولا سيما في البطولات القارية، في مقدمة عوامل التقييم، لما للنجاح الرياضي من تأثير في الجاذبية التجارية والجماهيرية للنادي.
ويأتي حجم القاعدة الجماهيرية عاملا ثانيا، لكن قيمتها الاستثمارية ترتبط بقدرة الشركة على تحويل هذه الجماهيرية إلى إيرادات فعلية من الرعاية والتذاكر والمنتجات والعضويات وحقوق البث.
ويتمثل العامل الثالث في الأصول العقارية والبنية التحتية، مثل الملاعب ومراكز التدريب، متى كانت ضمن أصول الشركة، فيما تشكل قيمة العقود التجارية القائمة ومدى استدامتها عاملا رابعا.
أما العامل الخامس فيرتبط بقدرة النادي على توسيع نشاطه خارج السوق المحلية، سواء تجاريا أو رياضيا، إلى جانب الاستثمار في تطوير اللاعبين والمواهب وتحويلها إلى أصول تحقق عوائد مستقبلية.
وبذلك، قد تتشابه شركات الأندية في هيكل الملكية، لكنها تظل مختلفة في قيمتها وفقا لقدرتها على تحويل الاسم والجماهيرية والنتائج والأصول إلى تدفقات مالية مستدامة.
تقييم مستقل قبل البيع
يرى فضل الله أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى آلية تقييم شفافة ومستقلة لكل ناد قبل بيع أي حصة أو دخول مستثمر جديد.
وقال إن التقييم ينبغي أن يستند إلى معايير واضحة ومعلنة، وألا يقتصر على تقييم داخلي من المالك نفسه بوصفه بائعا ومقيما في الوقت ذاته، بما يعزز مصداقية العملية أمام المستثمرين المحليين والأجانب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بعد صفقة الهلال، إذ أصبح أمام السوق تقييم فعلي لشركة أحد الأندية الأربعة، إلا أن استخدامه كمرجعية ينبغي أن يراعي الاختلافات بين الشركات في الإيرادات والأصول والالتزامات والعقود والفرص التجارية والأداء الرياضي.
المستثمرون أمام اختبار العائد
لا ينتهي التحدي عند تحديد قيمة النادي أو إتمام صفقة بيع الحصة.
ويرى فضل الله أن «دخول مستثمرين حقيقيين هو الاختبار الحقيقي القادم»، إذ سيضع النموذج المالي للأندية أمام اختبار القدرة على تحقيق عوائد واستدامة التشغيل، بدلا من الاعتماد المستمر على ضخ رؤوس الأموال.
ويتطلب ذلك رفع مساهمة الإيرادات الذاتية في تمويل المصروفات، من خلال التذاكر والعضويات والرعاية والتجارة وحقوق البث، إضافة إلى تطوير المواهب والاستفادة اقتصاديا من انتقالات اللاعبين.
كما يقترح ربط أداء إدارات الأندية بمؤشرات مالية، من بينها نسبة الإيرادات الذاتية إلى حجم الإنفاق، بما يدفع الشركات إلى رفع كفاءة التشغيل وتنويع مصادر الدخل.
وأكد أن تحول النادي إلى شركة من الناحية القانونية لا يعني اكتمال التحول الاقتصادي إذا ظل نموذج التشغيل معتمدا على ضخ رأس المال لتغطية النفقات.
من يحمي اسم النادي وشعاره؟
يفتح دخول المستثمر الخاص ملفا يتجاوز السعر والعائد إلى هوية النادي نفسها، خصوصا إذا حصل المستثمر على حصة مؤثرة أو مسيطرة.
ويرى الرمان أن اتفاقية المساهمين يجب أن تحدد منذ البداية «المسائل المحجوزة» التي لا يجوز اتخاذ قرارات بشأنها إلا بموافقة خاصة، وفي مقدمتها تغيير اسم النادي أو شعاره أو ألوانه، وبيع الأصول الجوهرية أو رهنها، ونقل مقر النادي.
وتشمل هذه المسائل، بحسب الرمان، القرارات الرياضية الاستراتيجية، وتغيير النشاط، والاقتراض الكبير، وزيادة رأس المال.
وفي المقابل، يحتاج المستثمر إلى ضمانات تحدد حقوقه إذا تغير هيكل الملكية مستقبلا.
وقال الرمان إن اتفاقية المساهمين ينبغي أن تنظم بيع الأسهم من خلال حق الأولوية، وحق المساهمة في البيع، وحق السحب، وضوابط تغيير السيطرة، إلى جانب وضع آلية واضحة لحل النزاعات.
وأشار إلى أن نظام الشركات السعودي يجيز اتفاقيات المساهمين المنظمة للعلاقة بينهم متى لم تخالف النظام أو النظام الأساس للشركة.
وبذلك تصبح اتفاقية المساهمين إحدى الأدوات الرئيسة لتحقيق التوازن بين حماية هوية النادي ومنح المستثمر وضوحا بشأن حقوقه وحدود تأثيره وآليات التخارج مستقبلا.
الملكية المتعددة تحد إضافي
يبرز تحد قانوني ورياضي آخر إذا كان المستثمر المحتمل يمتلك حصصا في أندية أخرى خارج السعودية.
وأشار فضل الله إلى أهمية مراعاة القواعد المنظمة للملكية المتعددة للأندية في بعض المسابقات الدولية والقارية.
ويرى أن معالجة هذه الجوانب قانونيا منذ بداية الصفقة تقلص مخاطر النزاعات المستقبلية، وتمنح المستثمر رؤية أوضح لحقوقه وحدود تأثيره في القرارات الرياضية والاستراتيجية.
من الملكية إلى اختبار القيمة
مع توحيد ملكية الاتحاد والأهلي والنصر، ووجود تجربة فعلية لدخول رأس المال الخاص في الهلال، تنتقل المرحلة المقبلة من إعادة ترتيب الملكية إلى اختبار القيمة والعائد، ومدى قدرة شركات الأندية على جذب المستثمر على أساس مقوماتها الاقتصادية.
وتقدم صفقة الهلال أول نقطة مقارنة فعلية في هذا المسار، لكنها لا تشكل سعرا موحدا للأندية، فيما يجعل توحيد الملكية الطريق القانوني والهيكلي أمام المستثمر أكثر وضوحا.
ويبقى الاختبار الأهم في قدرة كل شركة على تحويل جماهيريتها ونتائجها الرياضية وأصولها وعقودها التجارية إلى إيرادات مستدامة، مع بناء حوكمة تحمي في الوقت نفسه حقوق المستثمر وهوية النادي.

