تتجه صناعة كرة القدم العالمية نحو مزيد من تركّز الإيرادات في أيدي عدد محدود من الأندية والبطولات الكبرى، رغم استمرار نمو السوق وظهور مراكز استثمار جديدة خارج أوروبا، في وقت يفرض تضخم تكاليف اللاعبين وازدحام روزنامة المباريات ضغوطاً متزايدة على استدامة القطاع، وفق دراسة لـ”بوسطن كونسلتينج جروب”.
وترى الدراسة أن 3 تحولات رئيسية ستحدد ملامح اللعبة خلال العقود المقبلة، تتعلق بمصادر الإيرادات، والحوكمة المالية، وهيكل روزنامة المباريات، وسط تساؤلات بشأن قدرة القواعد التنظيمية على الحد من اتساع الفجوة بين أندية النخبة وبقية المنافسين.
11 مليار يورو لأكبر 20 ناد
تتجاوز إيرادات سوق كرة القدم الأوروبية 38 مليار يورو، فيما تحقق الأندية العشرون الأعلى دخلاً أكثر من 11 مليار يورو، بما يمثل أكثر من نصف إيرادات الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، في مؤشر على تزايد تركّز الأموال لدى أندية القمة.
ويبرز الدوري الإنجليزي الممتاز باعتباره المستفيد الأكبر من التحول نحو الأسواق العالمية، إذ قفزت قيمة حقوق بثه الدولية من نحو 500 مليون جنيه إسترليني في 2010 إلى أكثر من 2.2 مليار جنيه حالياً، وباتت تتجاوز إيرادات البث المحلي، وكذلك إجمالي الحقوق الدولية لبقية المسابقات المحلية الأوروبية الكبرى.
وتمنح هذه الإيرادات أندية الدوري قدرة أكبر على استقطاب أفضل اللاعبين، بما يعزز جاذبية المسابقة عالمياً ويرفع قيمة حقوقها الإعلامية، في دورة تعمق الفجوة المالية مع المنافسين.
السعودية ضمن مراكز النمو الجديدة
رغم أن الأندية الـ15 الأعلى قيمة في العالم لا تزال جميعها أوروبية، ترى الدراسة أن مراكز جديدة للنمو بدأت تظهر خارج القارة، وفي مقدمتها السعودية والولايات المتحدة.
وأنفقت الأندية السعودية نحو مليار دولار خلال فترة الانتقالات الصيفية لعام 2023، في إطار مساعي المملكة لبناء مركز للمنافسة الكروية على مستوى النخبة في آسيا.
وتضع “بوسطن كونسلتينج جروب” السعودية ضمن الأسواق التي قد تسهم في إعادة تشكيل موازين القوة التجارية للعبة مستقبلاً، إلى جانب الولايات المتحدة والبرازيل والمغرب وجنوب إفريقيا، فيما تطرح تساؤلاً بشأن قدرة أوروبا على الاحتفاظ بموقعها مركزاً تجارياً مهيمنًا لكرة القدم.
وفي الولايات المتحدة، يتجاوز متوسط حضور مباريات الدوري الأمريكي لكرة القدم 21 ألف متفرج، فيما يوجد 19 من أنديته ضمن قائمة أغلى 50 نادياً لكرة القدم في العالم.
كرة القدم النسائية تجذب المستثمرين
تشكل كرة القدم النسائية بدورها أحد محركات النمو الجديدة، إذ تدر نحو 800 مليون دولار من الإيرادات سنوياً، فيما اجتذبت كأس العالم للسيدات 2023 ما يقدر بنحو ملياري مشاهد عالمياً.
وبلغت القيمة الإجمالية لأندية الدوري الوطني لكرة القدم للسيدات في الولايات المتحدة، وعددها 14 نادياً، نحو 2.6 مليار دولار في 2026، مع ارتفاع متوسط قيمة الأندية بنحو 180% مقارنة بعام 2023، في مؤشر على تنامي ثقة المستثمرين بالإمكانات التجارية للقطاع.
الإنفاق يضغط على ربحية الأندية
لا ينعكس نمو الإيرادات بالضرورة على ربحية الأندية، إذ يعمل نحو نصف أندية الدرجة الأولى في البطولات الأوروبية الكبرى فقط بصورة مربحة، بينما تستحوذ أجور اللاعبين وتكاليف التعاقدات على حصة كبيرة من الدخل.
وبلغ متوسط نسبة الرواتب إلى الإيرادات نحو 64% في الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى بين 2020 و2022. وفي موسم 2022-2023، أنفقت أندية الدوري الإنجليزي نحو 5.7 مليار جنيه إسترليني على اللاعبين، بما يعادل نحو 90% من إجمالي إيرادات المسابقة، فيما تجاوزت تكاليف اللاعبين كامل الإيرادات لدى 8 من أندية البطولة العشرين.
ودفعت هذه الضغوط الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” إلى تحديد سقف لتكاليف الفريق، يشمل الرواتب والانتقالات وعمولات الوكلاء، عند 70% من إيرادات النادي.
وقد تساعد هذه القيود في تحسين الاستدامة المالية، لكنها تحمل في الوقت نفسه مفارقة، إذ تظل قدرة النادي على الإنفاق مرتبطة بحجم إيراداته، ما يمنح الأندية الأغنى مساحة أكبر للإنفاق وقد يرسخ تفوقها على المنافسين.
ازدحام المباريات يصطدم بقدرة اللاعبين
يمثل توسع روزنامة المباريات تحدياً آخر أمام الصناعة، إذ توفر البطولات الإضافية مزيداً من إيرادات البث والرعاية، لكنها ترفع في المقابل مخاطر الإصابات والإجهاد، وقد تؤثر في جودة المنافسة.
واقترح ماهيتا مولانغو، الرئيس التنفيذي لرابطة اللاعبين المحترفين الإنجليزية، ألا يخوض اللاعب أكثر من 50 إلى 60 مباراة في الموسم، في وقت يتجاوز فيه بعض لاعبي أندية النخبة بالفعل هذا المستوى عند احتساب مشاركات الأندية والمنتخبات.
وقد يدفع استمرار توسيع البطولات الأندية الكبرى إلى بناء قوائم أكبر تسمح لها عملياً بالاعتماد على تشكيلتين للمنافسة في مسابقات متعددة، أو يقود في المقابل إلى فرض قيود على عدد المباريات التي يستطيع اللاعب خوضها.
4 سيناريوهات لمستقبل كرة القدم
ترى “بوسطن كونسلتينج جروب” أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يقود إلى صناعة أكبر وأكثر ثراءً وعالمية، لكنها ستكون أيضاً أكثر ازدحاماً وتفاوتاً، مع استحواذ مجموعة محدودة من الأندية والمسابقات الدولية على حصة متزايدة من القيمة.
وتطرح الدراسة عدة مسارات بديلة، أولها نجاح القيود المالية في كبح نمو التكاليف وتحسين ربحية الأندية، وإن كان ذلك قد يؤدي إلى ظهور نخبة مستقرة تواصل الابتعاد مالياً عن بقية المنافسين.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في اتجاه الدوريات الصغيرة والمتوسطة إلى توحيد حقوق البث، وتنسيق الجداول، ومشاركة المنصات التجارية، وربما إنشاء مسابقات عابرة للحدود لمواجهة هيمنة البطولات الكبرى.
وقد يأتي التحول الثالث من اللاعبين ونقاباتهم عبر فرض حدود لعدد المباريات في الموسم، بما يجبر الجهات المنظمة على تقليص أو إعادة تصميم بعض المسابقات بدلاً من الاعتماد على توسيع قوائم الأندية.
ويتمثل السيناريو الرابع في صعود أشكال أقصر وأسرع من كرة القدم، مصممة بصورة أكبر لجمهور البث الرقمي، على غرار “Kings League” و”Baller League”، بما قد يمنح اللعبة منتجاً ترفيهياً موازياً يستحوذ على جزء من وقت المشاهدين وإيرادات الرعاية.
وستحدد قدرة القطاع على الموازنة بين نمو الإيرادات والاستدامة المالية والتوازن التنافسي وحماية اللاعبين ما إذا كان توسع صناعة كرة القدم سيعود بالنفع على المنظومة بأكملها، أم سيزيد تركّز الأموال والنفوذ لدى عدد محدود من أندية النخبة.

