تدخل خصخصة الأندية السعودية مرحلة جديدة، تتقدم فيها الحسابات المالية على الرغبة في الاستحواذ وحدها. ورغم استمرار اهتمام المستثمرين المحليين والدوليين، أصبحت الإيرادات والديون والحوكمة عوامل رئيسية في تحديد أسعار الصفقات. ويُظهر هذا التحول توجهًا نحو تقييم قدرة الأندية على تحقيق عوائد مستدامة، بحسب تقرير نشره موقع «إنتربرايز إيه إم» الإنجليزي اليوم الخميس.
رؤوس الأموال حاضرة .. والتقييمات تتغير
قال كريستوس أناجنوستوبولوس، أستاذ الإدارة الرياضية في جامعة حمد بن خليفة: إن رؤوس الأموال لم تغادر كرة القدم السعودية، لكنها أصبحت تطالب بخصومات في أسعار الاستحواذ.
وأوضح أن المستثمرين يدرسون الالتزامات المالية وآفاق النمو، بدلًا من الاعتماد على شهرة الأندية وجماهيريتها وحدهما.
في المقابل، يرى روب ويلسون، خبير التمويل الرياضي في جامعة UCFB، أن اهتمام المستثمرين بالأندية السعودية لا يزال واعدًا.
ويربط ذلك بالدعم الحكومي والبنية التحتية الرياضية والفرص التجارية طويلة الأجل.
لكن ويلسون يؤكد أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية، خصوصًا عند المقارنة بين الأندية ذات الإيرادات المستقلة وتلك المعتمدة على التمويل الخارجي.

WhatsApp Image 2026-10-29 at 8.41.24 PM(2)
أكثر من 40 مستثمرًا مهتمًا
نقل التقرير عن أناجنوستوبولوس أن أكثر من 40 مستثمرًا محليًا ودوليًا أبدوا اهتمامًا رسميًا بالأندية السعودية حتى يونيو الماضي، استنادًا إلى مسؤول في وزارة الرياضة.
وتبرز صفقة الهلال نموذجًا لتقييم الأندية، بعدما أكملت المملكة القابضة الاستحواذ على 70% من النادي مقابل 840 مليون ريال في سبتمبر الماضي.
وبلغ تقييم حقوق ملكية الهلال 1.2 مليار ريال، فيما وصلت قيمة المنشأة إلى نحو 1.4 مليار ريال، وفق إفصاح المملكة القابضة في «تداول السعودية».
إلى جانب ذلك، أشار التقرير إلى محادثات بشأن استحواذ محتمل على حصة في النصر، يقودها تحالف يضم «ريدبيرد كابيتال»، المالكة لنادي ميلان الإيطالي، دون إعلان اتفاق نهائي.
الخصخصة توسع خريطة الملكية
بدأ مشروع الاستثمار والتخصيص في 2023 بدخول صندوق الاستثمارات العامة إلى الهلال والنصر والاتحاد والأهلي، بحصة 75% لكل نادٍ. وفي أغسطس 2026، بدأت إجراءات نقل الحصص المتبقية البالغة 25% إلى الصندوق.
وشمل المشروع نقل ملكية القادسية إلى أرامكو السعودية، والعلا إلى الهيئة الملكية لمحافظة العلا، والصقور، الذي أصبح نيوم، إلى شركة نيوم، والدرعية إلى هيئة تطوير بوابة الدرعية.
ولاحقًا، انتقلت ملكية الخلود إلى مجموعة هاربورغ، والأنصار إلى شركة عودة البلادي وأبناؤه، والزلفي إلى شركة نجوم السلام.
وفي يونيو الماضي، طرحت وزارة الرياضة أندية الرياض والفتح وأبها والطائي والشعلة أمام المستثمرين.
وأعلنت الوزارة تسجيل أكثر من 80 طلب اهتمام استثماري شملت 22 ناديًا، مع استمرار استقبال طلبات الاستثمار في الأندية الأخرى.

WhatsApp Image 2026-10-29 at 8.41.24 PM
العلامة التجارية والديون تحددان القيمة
يرى أناجنوستوبولوس أن العلامة التجارية والقاعدة الجماهيرية والديون تأتي في مقدمة العوامل المؤثرة في تقييم الأندية.
ويضيف إليها قدرة النادي على تحقيق إيرادات بعيدًا عن التمويل الحكومي.
أما ويلسون، فيشير إلى أهمية الرعايات وحقوق البث والملاعب والتزامات الرواتب وجودة الإدارة.
وتوفر مضاعفات الإيرادات والتدفقات النقدية المخصومة أدوات للمقارنة بين الأندية. لكن حداثة نماذجها التجارية تتطلب تقديرات تراعي فرص النمو والالتزامات المستقبلية.
وبذلك، لا يرتبط سعر النادي بنتائجه الرياضية وحدها، بل بقدرته على تحويل جماهيريته وأصوله إلى تدفقات مالية منتظمة.
التدقيق المالي يعيد تشكيل الصفقات
يشير أناجنوستوبولوس إلى أن بيع النادي يستغرق عادة بين 8 و10 أشهر. وقد يطالب المشترون بتقييمات أقل أو توزيع المدفوعات على مراحل، تبعًا للظروف المحيطة بالصفقة.
في المقابل، يرى ويلسون أن المستثمرين الدوليين قد يطلبون ضمانات تعاقدية إضافية، مع دراسة تكاليف التشغيل والتأمين واستمرارية الأنشطة.
ويؤكد أن الخصخصة مشروع اقتصادي طويل الأجل، وأن التقلبات قصيرة المدى لا تعني بالضرورة تراجع جاذبية القطاع.

WhatsApp Image 2026-10-29 at 8.41.24 PM(1)
الانضباط المالي يغير الإنفاق
يتوقع ويلسون أن تعزز الملكية الخاصة الرقابة على المصروفات، وأن تربط القرارات الرياضية بصورة أوضح بالعوائد الاستثمارية.
وقد ينعكس ذلك على توجيه الإنفاق نحو الأكاديميات والعلوم الرياضية والتسويق الرقمي والمنتجات التجارية.
وفي السياق نفسه، أورد أناجنوستوبولوس تقديرات بانخفاض فاتورة الرواتب الثابتة للدوري السعودي بنحو 13% هذا الموسم.
ويرى أن بعض الملاك سيمنحون اهتمامًا أكبر للاعبين القابلين للتطوير وإعادة البيع، بدلًا من الاعتماد على التعاقدات مرتفعة التكلفة.
لكن ويلسون يشدد على ضرورة تحقيق التوازن بين المنافسة الرياضية والانضباط المالي، مع اختلاف أهداف الملاك وقدراتهم الاستثمارية.
الاستدامة تحدد نجاح الخصخصة
لا تتوقف الفرص الاستثمارية عند ملكية الأندية، وفق ويلسون. إذ قد تمتد إلى البث والرعاية والتكنولوجيا والضيافة والسياحة والبنية التحتية.
كما يتوقع نمو الطلب على الخدمات المالية والقانونية والتسويقية المرتبطة بالقطاع الرياضي.
ومن جهة أخرى، يرى أناجنوستوبولوس أن استمرار الاستثمارات يحتاج إلى حسابات مالية مدققة وقواعد حوكمة واضحة ورقابة فعلية على الإنفاق.
ويتفق الخبيران على أن نجاح الخصخصة لن يقاس بعدد الأندية المبيعة أو قيمة صفقات الاستحواذ وحدهما.
فالمعيار الأهم يتمثل في قدرة الأندية على تنمية إيراداتها التجارية، وتحسين إدارتها المالية، والاستثمار في المواهب والبنية التحتية.
وبذلك، تنتقل خصخصة الأندية السعودية من جذب رؤوس الأموال إلى اختبار قدرتها على بناء أعمال رياضية تحقق عوائد طويلة الأجل.

WhatsApp Image 2026-10-29 at 8.41.39 PM

