تمثل صفقة استحواذ شركة المملكة القابضة على 70% من نادي الهلال نقطة تحول في مسار خصخصة الأندية السعودية، إذ تفتح الباب أمام تدفق رؤوس الأموال الخاصة إلى أحد أكثر الأصول الرياضية قيمة وتأثيراً، في وقت يعاد فيه تعريف القطاع وفق معايير استثمارية، وفقا لمختصين تحدثوا لـ"الاقتصادية".
وبحسب المختصين، تمثل صفقة الهلال بداية مرحلة جديدة في اقتصاد الرياضة السعودية، تُختبر فيها قدرة السوق على تحقيق التوازن بين الربحية والاستدامة، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للأندية.
نقل الملكية من السيادي إلى الخاص
أطلقت السعودية في يونيو 2023 مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية، عبر مسارين شمل الأول نقل ملكية الأندية الكبرى، وهي: الهلال، والنصر، والاتحاد، والأهلي، إلى صندوق الاستثمارات العامة بنسبة 75%، مقابل 25% لمؤسسات غير ربحية.
كما امتد البرنامج إلى أندية أخرى، حيث انتقلت ملكية نادي القادسية إلى أرامكو السعودية، ونادي الدرعية إلى هيئة تطوير بوابة الدرعية، ونادي نيوم إلى شركة نيوم، قبل أن تشمل المرحلة الثانية أندية نادي الخلود ونادي الزلفي ونادي الأنصار عبر بيعها لمستثمرين.
أهداف اقتصادية مدفوعة بالأرقام
يراهن المشروع على رفع الإيرادات التجارية للدوري من 450 مليون ريال إلى أكثر من 1.8 مليار ريال سنوياً، وزيادة قيمته السوقية من 3 مليارات إلى أكثر من 8 مليارات ريال بحلول 2030.
كما قفز الإنفاق إلى نحو مليار دولار في موسم واحد، فيما بلغت رواتب اللاعبين نحو 1.24 مليار دولار، لترتفع القيمة السوقية للدوري إلى 1.13 مليار يورو، ما يظهر تحولاً سريعاً في حجم السوق.
الهلال .. اختبار السوق الحقيقي
تأتي صفقة الهلال—بتقييم يبلغ نحو 1.4 مليار ريال—كمؤشر على إعادة تسعير الأندية الكبرى، وانتقالها من أصول مدعومة إلى استثمارات قائمة على العائد.
فضل بن سعد البوعينين عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، يقول إن استحواذ شركة المملكة القابضة يظهر التزام صندوق الاستثمارات العامة بإستراتيجيته القائمة على تطوير الأندية ثم التخارج منها بعد استيفاء متطلبات الحوكمة والاستدامة، مشيراً إلى أن الهلال كان “الأكثر جاهزية للتخصيص”، ما سرّع عملية طرحه.
ويضيف أن احتفاظ الصندوق بحصة يضمن استمرارية الإصلاحات الهيكلية والمالية، ويعزز من ترسيخ الحوكمة كنموذج عمل لا يمكن تجاوزه، متوقعاً أن تمهد الصفقة لطرح أندية كبرى أخرى مثل النصر، والاتحاد، والأهلي.
3 سيناريوهات ونموذج هجين
من جانبه، يرى الدكتور طلال المغربي، خبير في الاقتصاد والتسويق الرياضي وتسويق الدول، أن الصفقة تمثل إعادة تشكيل لنموذج الحوكمة، عبر الانتقال من نموذج سيادي إلى نموذج استثماري أكثر تركيزاً على الكفاءة والعائد، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للأندية.
المغربي، أشار إلى 3 سيناريوهات محتملة لمسار الخصخصة، يتمثل الأول في تحقيق طفرة مستدامة عبر توظيف الاستثمارات لتنمية الإيرادات وبناء علامة تجارية عالمية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تضخم مالي نتيجة التوسع غير المنضبط في الإنفاق، بما قد يرفع التكاليف دون تطوير مصادر دخل كافية، كما حدث في بعض التجارب الدولية.
ويرجح المغربي السيناريو الثالث، القائم على نموذج هجين يجمع بين النمو التجاري والانضباط التنظيمي، مع دور غير مباشر للجهات المنظمة لضمان توازن المنافسة واستدامة السوق.
أثر تدريجي وإستراتيجية المستثمر
لا يُتوقع أن يظهر أثر فوري في أداء الهلال، بحسب المغربي، نظراً لقوته الحالية، إلا أن التأثير الحقيقي سيعتمد على إستراتيجية المستثمر، بين التركيز على العوائد قصيرة الأجل أو بناء منظومة مستدامة تشمل تطوير المواهب وتعظيم الإيرادات.
ويؤكد أن التجارب العالمية تُظهر أن النجاح لا يرتبط بحجم الإنفاق بقدر ارتباطه بجودة الإدارة، مستشهداً بنماذج Manchester City وLiverpool FC، مقابل تجارب أقل استقراراً مثل AC Milan.
إعادة تسعير السوق وتحدياته
تُرجّح الصفقة إعادة تسعير الأندية السعودية، مع توقع أن يصبح تقييم الهلال مرجعاً لبقية الأندية الكبرى، وسط احتمالات تنوع نماذج الطرح بين بيع حصص أو تحالفات استثمارية.
لكن البوعينين يشدد على أهمية تطبيق قواعد “اللعب المالي النظيف” لضبط الإنفاق وتحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات، بما يضمن استدامة القطاع.
مرحلة جديدة للسوق السعودية
تظهر الصفقة انتقالاً في أدوار السوق بين المستثمر والمنظم، مع تسارع دخول القطاع الخاص، ما يمهد لبناء سوق رياضية استثمارية متكاملة.
وبحسب البوعينين والمغربي، يمثل الاستحواذ على نادي الهلال، بداية مرحلة جديدة في اقتصاد الرياضة السعودية، تُختبر فيها قدرة السوق على تحقيق التوازن بين الربحية والاستدامة، مع الحفاظ على البعد الاجتماعي للأندية.






