في سبعة أسابيع، حولت السعودية قرار نقل بطولة كأس العالم للرياضات الالكترونية من الرياض إلى باريس من رهان تشوبه المخاطر إلى اختبار لقدرتها على بناء نموذج أعمال قابل للتصدير.
مع دخول البطولة يومها الأخير في العاصمة الفرنسية، تدل المؤشرات على نجاح الاختبار إلى حد كبير.
فبالإضافة إلى وصول مبيعات التذاكر في باريس إلى أكثر من 150 ألف في مطلع أغسطس بحسب المنظمين، أشارت بيانات مستقلة لشركة "Esports Charts" إلى ارتفاع كبير في مشاهدات عدد من المسابقات التي أقيمت ضمن البطولة. أما حضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لحفل الختام يوم الأحد، فيمنح البطولة ثقلاً سياسياً وإعلامياً يتجاوز منافسات الرياضات الإلكترونية نفسها.
السعودية تتحول إلى محرك رئيس في الألعاب الإلكترونية
وقال فيصل بن حمران، الرئيس التنفيذي للرياضات الإلكترونية في مؤسسة الرياضات الإلكترونية السعودية، إن نقل البطولة إلى باريس وسط التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط صاحبه تحديات كبيرة بسبب ضغط الوقت، إلا أن التجربة أثبتت قدرة القطاع على تنظيم مثل هذا الحدث العالمي، وفتحت المجال أمام آفاق جديدة للتوسع، بحسب صحيفة "الاقتصادية".
تدعم الأرقام هذا التقييم، حيث استطاع المنظمون نقل بطولة تمتد لعدة أسابيع وتضم أكثر من ألفي لاعب ونحو 200 نادٍ و25 منافسة عبر 24 لعبة من دون تغيير يُذكر في المنافسات أو قيمة الجوائز التي تتجاوز 75 مليون دولار.
يعزز هذا النجاح موقع البطولة في الاستراتيجية الساعية لتحويل السعودية إلى لاعب رئيسي في صناعة الألعاب الإلكترونية عالمياً، وهي صناعة حققت إيرادات تجاوزت 200 مليار دولار في 2024، بحسب تقديرات مؤسسة "PwC" للاستشارات، في تكامل مع دور الاستثمارات السعودية في هذا المجال.
ففي 4 أغسطس، اكتمل استحواذ تحالف يقوده صندوق الاستثمارات العامة السعودي و"سيلفر ليك" و"أفينيتي بارتنرز" على شركة "إلكترونيك آرتس" المالكة لألعاب مثل "EA Sports FC" و"Battlefield" بقيمة تقارب 55 مليار دولار. ويُضاف ذلك إلى استثمارات مجموعة "سافي للألعاب"، المملوكة للصندوق، في شركات مثل "Scopely" و"ESL FACEIT Group".
تدعم هذه الاستحواذات أهداف السعودية لتحويل صناعة الرياضات الإلكترونية إلى رافد مهم للاقتصاد، يساهم بشكل مباشر وغير مباشر بنحو 50 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بحلول 2030، بالإضافة إلى إنتاج أكثر من 30 لعبة تنافسية عالمياً داخل استوديوهات المملكة. كما تمنح الاستحواذات المملكة حضوراً أكبر في أجزاء مختلفة من سلسلة القيمة المضافة، بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية التي تساعد في تنظيم المنافسات.
إقبال جماهيري على مشاهدة بطولة الألعاب الإلكترونية
وأثبتت نسخة باريس، على الأقل، أن البطولة ليست مجرد حدث ممول سعودياً قد يفشل بسهولة ما لم يتم تنظيمه في المملكة، رغم أن تداعيات حرب إيران أدت إلى تأجيل عدد من الفعاليات الرياضية الدولية في المنطقة هذا العام، إذ قدّرت الحكومة الفرنسية، في تقرير نشرته صحيفة "لو موند" قبل انطلاق البطولة، أن الحدث قد يولد نحو 600 مليون يورو من الآثار الاقتصادية غير المباشرة.
كما أن بيانات "Esports Charts" أشارت إلى ارتفاع مشاهدات بعض المسابقات لتتجاوز مستوياتها في نسخة 2025 التي أقيمت في الرياض، ومن بينها "League of Legends"، في حين قادت "PUBG Mobile" ارتفاع زخم المشاهدة في الأسبوع السادس بـ17.68 مليون ساعة مشاهدة، الأعلى لها منذ خمس سنوات.
حضور سعودي قوي في المنافسات
حافظت الفرق السعودية على حضور قوي في كأس العالم للرياضات الإلكترونية منذ انطلاقها في صيف 2024، إذ توّج فريق "فالكونز" بلقب النسختين الأوليين، قبل أن ينافس بقوة على لقب نسخة 2026 حتى يومها الأخير، حين حسم فريق "إيه جي. إيه إل" الصيني البطولة لصالحه، وحصد جائزة قدرها 7 ملايين دولار، مقابل 5 ملايين دولار لـ"فالكونز".
وشهدت نسخة 2026 مشاركة 12 فريقاً سعودياً، من بينها "فالكونز" و"تويستد مايندز" و"فيجن" و"روك" و"أر 8" و"ذا فيشس"، إلى جانب فرق تمثل أندية سعودية، مثل العلا والقادسية والأهلي والاتحاد و"ستاليونز" و"جي كيه".
ولم يقتصر الحضور السعودي على عدد الفرق المشاركة، إذ نجحت الفرق السعودية في حصد ثلاثة ألقاب من أصل 25 بطولة ضمن نسخة 2026، بواقع لقبين لـ"فالكونز" ولقب واحد لفريق "فيجن"، ما عزز حضور المملكة في المنافسات بالتوازي مع توسع استثماراتها ودورها التنظيمي في صناعة الرياضات الإلكترونية عالمياً.
تحديات أمام البطولة
لم يكن تحقيق أي من ذلك أمراً سهلاً.
محمد النمر، رئيس الشؤون التجارية في مؤسسة الرياضات الإلكترونية السعودية، قال في تصريحات لصحيفة "عرب نيوز" إن ترتيبات التأشيرات والجوانب اللوجستية شكّلت تحديات كبيرة، لكن التعاون مع السلطات الفرنسية وشركاء من القطاع الخاص أتاح للمنظمين نقل المنافسات إلى واحد من أشهر شوارع العالم، ما حول شارع الشانزليزيه إلى واجهة تعكس طموح البطولة للتحول إلى حدث رياضي عالمي بحق.
تجلى ذلك في انتشار الشاشات العملاقة ومنافسات الرياضات الإلكترونية ومناطق "تجارب الجمهور" في المنطقة المحيطة بقوس النصر، في مشهد جمع بين ثقافة الألعاب الحديثة وهيبة أحد أشهر المعالم التاريخية في فرنسا، بحسب الصحيفة.
كما أشار النمر إن كأس العالم للرياضات الإلكترونية بات يمثل قيمة تجارية متنامية للشركات، مدعوماً بانضمام علامات تجارية كبرى من السعودية والعالم إلى قائمة الرعاة، في ظل اتساع الحضور الجماهيري وارتفاع معدلات المشاهدة والتفاعل. وأضاف، في تصريحات لصحيفة "الاقتصادية"، أن مشاركة كريستيانو رونالدو كان لها تأثير كبير في تسويق البطولة، مستفيدة من مكانته وشعبيته العالمية.
بن حمران، الرئيس التنفيذي للرياضات الإلكترونية، قال لـ"عرب نيوز" قبل بداية البطولة إن انتقالها إلى باريس وفّر فرصة مناسبة "لاختبار الملكية الفكرية خارج السعودية".
في اليوم الأخير، يبدو أن الرهان كان في محله.

