شهد مونديال كأس العالم لكرة القدم 1986 أرقامًا قياسية في حجم الإعلانات على قمصان اللاعبين حيث كتب عنها الأديب الأوروجوياني إدواردو جاليانو في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل" أن كرة القدم باتت صناعة ضخمة وأن الأندية بمثابة شركات تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع النفوذ ويتنافس عليها المستثمرون لتحقيق الأرباح. تلك المقولة أصبحت واقع المليارديرات لعدة أسباب أبرزها الشعبية الجماهيرية والعلاقات مع رجال الحكومة وآخرها الأرباح المالية. وهو ما لا يتكرر في استثمارات أخرى كما ذكر المفكر البريطاني سيمون كوبر.
هذا التحول الاقتصادي الرياضي وصل إلى السعودية نتيجة مشروع الاستثمار وتخصيص الأندية الرياضية التي شهدت استحواذ مجموعة "هاربورج جروب" الأمريكية على نادي الخلود ومجموعة "أباسكو" بقيادة البلادي على نادي الأنصار وشركة "نجوم السلام" على نادي الزلفي برئاسة العضيب. لحقها قبل أيام الصفقة الأكبر حتى الآن بتوقيع شركة "المملكة القابضة" التي يملكها الأمير الوليد بن طلال اتفاقية ملزمة مع صندوق الاستثمارات العامة للاستحواذ على 70% من نادِي الهلال مقابل 840 مليون ريال.. ولكن كيف بدأت القصة بين الأثرياء وأندية كرة القدم؟
عائلة أنييلي .. البداية
تعد عائلة "أنييلي" الإيطالية في مقدمة العائلات التي رأت في أندية كرة القدم فرصًا لتحقيق أرباح ضخمة، لذلك بعد أن أسس جيوفاني أنييلي مصنعه لإنتاج سيارات "فيات" عام 1899 في تورينو شرع في شراء يوفنتوس نادي المدينة ليكون المسوق الأول لمنتجاته، ومنذ امتلاك النادي 1923 حظت "فيات" بدعم شعبي من مشجعي "السيدة العجوز" وانعكس ذلك على المبيعات وفق "ذا اتلانتيك"، كما تحول النادي إلى ذراع اقتصادي وبسببه وفرت "فيات" مبالغ الرعاية الكبيرة فوفق بيان يوفنتوس 2024 يتكلف وضع العلامة التجارية في صدر قميص النادي 50 مليون يورو سنويًا.
برلسكوني .. البحث عن السلطة
حين اشترى رجل الأعمال سيلفيو برلسكوني "إي سي ميلان" عام 1986 مقابل 8 مليون يورو لم يبحث عن الأرباح فقط بل عن الجماهيرية والسلطة، هذا ما كشفته دراسة لـ"كولت أوف كالتشيو" جاء فيها أن "سيلفيو" الملقب بـ"ملك الإعلام" نتيجة امتلاكه شبكة إعلامية كبرى، تمكن في أشهر قليلة من انتشال "الروسونيري" من أزماته وهذا صنع صورته كـ"منقذ" عند الجماهير، وسرعان ما استغل هذه الصورة والجماهيرية في بدء مساره السياسي فأسس حزبه "فورزا إيطاليا" 1994 واعتمد على مشجعي الفريق الذين انتخبوه ليتولى رئاسة الوزراء في عدة فترات بدأت 1994 وانتهت في 2011 بتقديم استقالته نتيجة أزمة الديون الأوروبية.
المثير أن "سيلفيو" الذي أدين بالتهرب الضريبي وباع "إي سي ميلان" في 2017 لرجل الأعمال الصيني "لي يونج هونج" مقابل 740 مليون يورو، كرر التجربة في 2018 حين اشترى نادي مونزا من الدرجة الثالثة مقابل 3 ملايين يورو ووصل به إلى الدرجة الأولى 2022 واستغل هذا النجاح في العودة إلى مجلس الشيوخ في نفس العام قبل أن يرحل 2023.
عائلة جليزر .. اليونايتد رهينة
في المقابل يمثل نموذج مانشستر يونايتد الجانب المظلم لرغبات المليارديرات فحين اشترته عائلة جيلزر في 2005 لم تدفع قيمة الصفقة البالغة آنذاك 790 مليون يورو بل دفعت 273 مليون يورو واقترضت الباقي بضمان أصول النادي،وبمجرد الاستحواذ نقلوا هذه الديون إلى "اليونايتد" الذي تحول من "صفر ديون" قبل البيع إلى 1.3 مليار جنيه إسترليني ديون في 2026.
ورغم أن النادي يحقق أرباحا بلغت العام الماضي 661 مليون جنيه إسترليني، لكن معظمها يذهب إلى سداد قروض صفقة البيع كما أن عائلة جيلزر سحبت أكثر من 166 مليون جنيه كأرباح شخصية لهم وباعت جزءا من الأسهم مقابل 484 مليون جنيه دخلت جيوبهم مباشرة وبدلًا من أن يمول النادي صفقاته أصبح رهينة مالية لدى ملاكه الذين تربحوا من ديونه ليحتلوا المرتبة الـ44 في قائمة فوربس لأغنى العائلات الأمريكية 2024.
ساويرس .. استثمار طويل المدى
الملياردير المصري ناصف ساويرس وشريكه الأمريكي ويس إيدينس بحثا أيضًا عن الأرباح حين استحوذا على 55% من استون فيلا مقابل 30 مليون جنيه إسترليني 2018، ووصفت "ذا صن" البريطانية الصفقة بالاستثمار طويل المدى لأن النادي كان مهددًا بالإفلاس آنذاك لكن اليوم وصلت قيمته 900 مليون دولار بجانب تقوية العلامة التجارية لـ"ساويرس" و وتنويع محفظته الاستثمارية.
بيكهام .. عقل استثماري
لم يكن ديفيد بيكهام لاعب يركض خلف الكرة بل عقلًا استثماريًا يرتدي حذاءً رياضيًا، لذلك بمجرد الاعتزال استكمل مسيرته فأسس نادِي إنتر ميامي 2018 مقابل رخصة تكلفت 25 مليون دولار، وبعد 8 سنوات ونتيجة سياسة استقطاب كبار النجوم مثل ميسي وصلت قيمة النادي 1.45 مليار دولار ووصلت إيراداته السنوية 200 مليون دولار، غير الشراكات مع عمالقة الشركات في الولايات المتحدة مثل "أبل" و"أديداس"، جعله ضمن أغنى 10 أندية في العالم.
حبّ الظهور الإعلامي وتأثير الشهرة وإدارة العلاقات المهنية بشكل إستراتيجي، تعد من أبرز دوافع المليارديرات لشراء الأندية، بدليل ما قاله رجل الأعمال الشهير عبدالمحسن الحكير لصحيفة الاقتصادية مؤخرا في "منتدى الاستثمار الرياضي" الذي عقد بالرياض الأيام الماضية بحضور كثيف عن نيته شراء نادِ سعودي ليس إلا تأكيدًا على مقولة غاليانو بصفتها صناعة تتقاطع فيها المصالح.

