الخميس, 24 سبتمبر 2026|11 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


محمد العضاضي

في اليوم الوطني السعودي، لا نحتفي بذكرى توحيد وطن فحسب، بل نستحضر قصة دولة استطاعت خلال عقود أن تنتقل من تحديات التأسيس إلى طموحات المنافسة العالمية. وبين الأمس واليوم تغير العالم، وتغيرت معه مفاهيم الثروة والقوة والتنمية، لكن بقيت حقيقة واحدة: الأوطان العظيمة لا تتوقف عند ما حققته، بل تسأل دائمًا عما تستطيع أن تصنعه غدًا.

لقد منح الله السعودية ثروات طبيعية هائلة، وكان النفط أحد أهم محركات نهضتها الحديثة، وأسهم في بناء المدن والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية والصناعة. لكن السعودية اليوم تدخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا تقاس فيها الثروة فقط بما نملكه تحت الأرض، بل بما تستطيع عقول أبنائنا أن تنتجه فوقها.وهذه إحدى أهم التحولات التي تعيشها السعودية في ظل رؤية السعودية 2030.

ففي الاقتصاد العالمي الجديد، لم تعد الموارد الطبيعية وحدها كافية لصناعة التفوق. القيمة الأكبر أصبحت في المعرفة والتقنية والابتكار والملكية الفكرية، وفي القدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات، والبحوث إلى شركات، والتقنيات إلى صناعات قادرة على المنافسة عالميًا.

نحن نعيش عصرًا يمكن فيه لشريحة إلكترونية صغيرة أن تكون أكثر تأثيرًا في الاقتصاد العالمي من موارد طبيعية ضخمة، ويمكن لخوارزمية أو براءة اختراع أو تقنية متقدمة أن تنشئ شركات تتجاوز قيمتها اقتصادات دول. ولهذا أصبحت القدرة على امتلاك التقنية وتطويرها جزءًا أساسيًا من القوة والسيادة الاقتصادية.

وقد أدركت السعودية هذا التحول، ولذلك نشهد اليوم حراكًا متسارعًا في البحث والتطوير والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والفضاء، والتقنيات الحيوية، وأشباه الموصلات، والطاقة، والمياه، والاتصالات المتقدمة، وغيرها من المجالات التي ستشكل اقتصاد المستقبل. لكن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس إنتاج المعرفة فقط، وإنما تحويلها إلى قيمة اقتصادية.

فالبحث العلمي لا ينبغي أن تنتهي رحلته عند النشر، وبراءة الاختراع لا ينبغي أن يكون مصيرها شهادة معلقة على الجدار، والنموذج الأولي لا ينبغي أن يبقى داخل المختبر. النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول المعرفة إلى تقنية، والتقنية إلى منتج، والمنتج إلى شركة، والشركة إلى صناعة قادرة على النمو والتصدير وخلق الوظائف النوعية. ومن هنا يصبح توطين الابتكار ضرورة اقتصادية، وليس خيارًا إضافيًا.

وتوطين التقنية لا يعني أن نشتري أحدث ما ينتجه العالم ونستخدمه داخل السعودية، ولا أن نجمع منتجًا صُمم وطُور بالكامل في الخارج. التوطين الحقيقي هو أن نبني القدرة الوطنية على فهم التقنية وتصميمها وتطويرها وتصنيعها وتحسينها، ثم إنتاج أجيال جديدة منها بأيدٍ وعقول سعودية.

ولتحقيق ذلك، نحتاج إلى سلسلة وطنية مترابطة تجمع الباحث والمبتكر والجامعة ومركز الأبحاث والمستثمر والشركة والمصنع والجهة الحكومية. لدينا اليوم كثير من عناصر هذه المنظومة، والتحدي أن تعمل جميعها في اتجاه واحد: من المشكلة إلى البحث، ومن البحث إلى الابتكار، ومن الابتكار إلى المنتج، ومن المنتج إلى السوق، ومن السوق المحلية إلى المنافسة العالمية.

وفي اليوم الوطني، من المهم أن ننظر إلى الاستثمار في الباحث والمهندس والمبتكر ورائد الأعمال باعتباره استثمارًا في قوة الوطن نفسه. فكل تقنية وطنية ناجحة تعني معرفة تراكمية، ووظائف نوعية، وقيمة اقتصادية، وقدرة صناعية، وتقليلًا للاعتماد على الخارج.

لقد وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- هذه البلاد، وبنى الآباء والأجداد دولة قوية ومستقرة، وجاءت أجيال متعاقبة لتواصل البناء. أما مسؤولية جيلنا اليوم فهي أن يضيف إلى هذه المسيرة قدرة وطنية جديدة: القدرة على صناعة المعرفة والتقنية والمستقبل. وطموح السعودية لا ينبغي أن يقتصر على أن تكون من أكبر أسواق التقنيات الحديثة، بل أن تكون من الدول التي تولد فيها التقنيات، وتسجل فيها براءات الاختراع، وتنشأ فيها الشركات التقنية العميقة، وتصنع فيها المنتجات التي تصل إلى أسواق العالم.

وفي ذكرى اليوم الوطني السعودي ، نفخر بما وصل إليه وطننا، لكن الفخر بالمنجز لا يعني الاكتفاء به، بل أن نجعله نقطة انطلاق لما هو أبعد. فكل جيل تسلّم هذا الوطن أضاف لبنة إلى بنائه، ومسؤولية جيلنا أن يجعل الابتكار والتقنية والصناعة جزءًا أصيلًا من قوته الاقتصادية. فالأوطان لا تبني مستقبلها بما تملكه تحت أرضها فقط، بل بما تصنعه عقول أبنائها فوقها. وإذا كان النفط قد أسهم في صناعة نهضة السعودية الحديثة، فإن المعرفة والابتكار والتقنية ستكون من أهم الثروات التي نصنع بها نهضتها المقبلة.

أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية

منتدى الاقتصادية 2026