يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية كل عام ليجدد معنى الانتماء إلى وطن جمع أبناءه تحت راية واحدة، ووحّد الأرض والمصير، وأرسى قواعد الأمن والاستقرار، وانطلق في مسيرة تنموية متواصلة جعلت الإنسان محوراً أساسياً في
.بناء المستقبلومن هنا، فإن الاحتفاء باليوم الوطني لا ينبغي أن يقتصر على استذكار الماضي أو التعبير عن مشاعر الفخر والاعتزاز، بل يجب أن يكون مناسبة للتأمل في مسؤوليتنا تجاه الحاضر والمستقبل، وفي قدرتنا على المحافظة على مكتسبات الوطن وتعزيز وحدته وتطوير مؤسساته والارتقاء بجودة الحياة فيه.
جاءت رؤية السعودية 2030 لتضع إطاراً طموحاً لهذه المرحلة، من خلال بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وهي أهداف لا يمكن تحقيقها بالقرارات الحكومية وحدها، وإنما تحتاج إلى شراكة حقيقية بين الدولة والمواطن والقطاع الخاص والمؤسسات الاجتماعية.
وتبقى الوحدة الوطنية الأساس الذي تستند إليه هذه المسيرة. فالتنمية تحتاج إلى مجتمع متماسك، والثقة بين أفراده ومؤسساته، والقدرة على العمل بروح واحدة عند مواجهة الأزمات والتحديات. وكلما ازدادت وحدة المجتمع وترسخت ثقته بمؤسساته، أصبح أكثر قدرة على تجاوز الظروف الاستثنائية والاستفادة من الفرص الجديدة.
وتأتي القيم الإسلامية في قلب هذه المسؤولية، بما تتضمنه من الأمانة والعدل والإحسان والتكافل واحترام الإنسان وتحمل المسؤولية. وهذه القيم لا ينبغي أن تبقى مجرد مفاهيم نظرية، بل تتحول إلى سلوك في العمل والحياة العامة؛ فالموظف الذي يؤدي عمله بأمانة، والمسؤول الذي يحافظ على المال العام، ورجل الأعمال الذي يلتزم بالأنظمة، والمواطن الذي يحترم حقوق الآخرين، والمتطوع الذي يساعد المحتاج، جميعهم يشاركون في بناء وطن أكثر قوة واستدامة.
ومن أبرز المفاهيم التي تتقاطع مع أهداف الرؤية كفاءة الإنفاق. فالمحافظة على المال العام ليست مسؤولية الأجهزة المالية والرقابية فقط، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة. وكل ريال يُنفق بكفاءة على التعليم أو الصحة أو البنية التحتية أو الخدمات أو التنمية هو استثمار في مستقبل المواطن والوطن.
وتعني كفاءة الإنفاق ألا يكون الهدف مجرد خفض المصروفات، وإنما تحقيق أفضل قيمة ممكنة من الموارد المتاحة، من خلال تحديد الأولويات، وتقليل الهدر، ورفع الإنتاجية، وقياس النتائج، وتوجيه الموارد إلى المجالات التي تحقق أثراً أكبر في المواطن والاقتصاد والمجتمع.
وهنا تبرز أهمية تمكين المواطن. فالمواطن في منظومة التنمية الحديثة ليس مجرد مستفيد من الخدمات، بل شريك في صناعة التنمية. وتمكينه يبدأ من التعليم والتدريب، ويمتد إلى توفير فرص العمل وريادة الأعمال، وتشجيع الابتكار والمشاركة المجتمعية، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، ورفع جودة الحياة.
كما أن جودة الحياة ليست مفهوماً مرتبطاً بالترفيه وحده، وإنما تشمل البيئة الصحية، والسكن المناسب، والتعليم الجيد، والخدمات المتطورة، والأحياء الآمنة، والطرق والبنية التحتية، والأنشطة الثقافية والرياضية، والقدرة على الوصول إلى الخدمات بكفاءة. ولذلك فإن تحسين جودة الحياة يمثل في جوهره استثماراً في الإنسان وقدرته على المشاركة والإنتاج.
وفي أوقات الأزمات تظهر أهمية هذه المنظومة بصورة أكبر. فالأزمات الصحية أو الاقتصادية أو الطبيعية تتطلب مجتمعاً متماسكاً ومؤسسات قادرة على الاستجابة، ومواطنين يتعاملون مع المعلومات بمسؤولية، ويلتزمون بالتعليمات، ويتعاونون مع الجهات المختصة، ويقفون إلى جانب الفئات الأكثر احتياجاً.
ويظل التكافل الاجتماعي أحد أهم عناصر قوة المجتمع. فدعم المحتاجين، ورعاية كبار السن، ومساندة الأسر المتعففة، وتشجيع العمل التطوعي، ودعم الجمعيات الموثوقة، كلها ممارسات تتوافق مع القيم الإسلامية ومع مفهوم المجتمع الحيوي.
أما التعليم والصحة، فهما من أهم الاستثمارات طويلة الأجل في الإنسان. فالتعليم يرفع المهارات والقدرة على المنافسة والابتكار، والصحة ترفع قدرة الإنسان على العمل والإنتاج والمشاركة. وكلما تحسنت جودة هذين القطاعين، ارتفعت قدرة المجتمع على تحقيق أهدافه الاقتصادية والاجتماعية.
إن اليوم الوطني، بهذا المعنى، فرصة لتجديد مفهوم المواطنة المسؤولة: أن نحافظ على وحدتنا، ونصون قيمنا، ونحترم الأنظمة، ونحافظ على المال العام، ونستخدم الموارد بكفاءة، ونسهم في حماية المجتمع، وندعم المحتاج، ونستثمر في التعليم والصحة، ونشارك في التنمية كل من موقعه.
أفضل تعبير عن الاعتزاز بالسعودية ليس فقط أن نحتفل بما تحقق، بل أن نكون جزءاً من المحافظة عليه وتطويره. فالوطن القوي هو الذي تتكامل فيه وحدة المجتمع مع قوة مؤسساته، والقيم مع التنمية، وكفاءة الإنفاق مع جودة الخدمات، وتمكين المواطن مع مسؤولية الفرد.
كاتب اقتصادي

