الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 7 مايو 2026 | 20 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

واشنطن تستهدف الشريان المالي الخفي لطهران

علي البلاونة
السبت 2 مايو 2026 14:24 |3 دقائق قراءة

في خطوة ضاغطة على الاقتصاد الإيراني، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، (28.4.2026) عن أكبر حزمة عقوبات تستهدف البنية المالية الإيرانية منذ سنوات، إذ صنّفت هذه العملية في إطار عملية سمتها "الغضب الاقتصادي Economic Anger" 35 كياناً وفرداً، وصفتهم بأنهم يُشكّلون العمود الفقري لمنظومة تمويل سرية تلجأ إليها طهران للالتفاف على العقوبات الدولية. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت في بيان رسمي "إن الشبكة المستهدفة تُشكّل شرياناً مالياً حيوياً لعمليات تهريب تابعة للحرس الثوري"، محذراً من أن المؤسسات المالية التي تُيسّر التعامل مع هذه الشبكات ستواجه عواقب وخيمة.

مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، كشف هو الآخر عن آلية مُحكمة تعتمد على ما بات يُعرف بشركات "الرهبر"؛ وهي شركات خاصة تتبع الحرس الثوري تعمل وسيطاً مالياً نيابةً عن المصارف الإيرانية المقطوعة عن نظام المدفوعات الدولي، حيث تُنشئ هذه الشركات حسابات مصرفية في مراكز مالية كبرى، وتوظّفها لتسوية عائدات النفط، وتمويل صفقات التسلح، وتحويل الأموال إلى وكلاء إيران في المنطقة البالغة 12 مليار دولار سنوية، بعيداً عن أي رقابة دولية.

ويُمثّل بنك شهر وشركته التابعة "فراب سروش آفاق قشم" نموذجاً صريحاً لهذه الآلية، إذ تولّت الشركة، وفق وثائق الخزانة الأمريكية، الإشراف على شبكة من الشركات الأجنبية، أبرزها HMS Trading FZE، التي مرّرت بدورها مدفوعات عبر الشركة البريطانية Shuqun LTD بلغت قيمتها الإجمالية أكثر من 70 مليون دولار كعائدات نفط خام لصالح الشركة الوطنية الإيرانية للنفط حتى نهاية 2024.

ولفتت الوثائق إلى أن المواطنة الفلبينية جانيلين يوسيبيو إمبيرادور تملك Shuqun LTD إضافةً إلى شركتين بريطانيتين أخريين، فيما يعكس عمق التعتيم القانوني الذي توفّره شركات الواجهة متعددة الجنسيات.

وعلى نطاق أوسع، تعمل شركة الرهبر "نيكان پژواك آريا كيش" بوصفها الذراع المالية لبنك ملي، وتُعالج في وقت واحد معاملات بمليارات الدولارات لصالح ثلاثة أطراف هي الشركة الوطنية الإيرانية للنفط والحرس الثوري الإسلامي والبنك المركزي الإيراني. وتضمّ الشبكة شركات واجهة موزّعة في عديد من دول العالم، أبرزها Fratello Carbone Trading Limited التي حوّلت أكثر من 20 مليون دولار لصالح الشركة الوطنية للنفط، فضلاً عن شركات أخرى تعمل من هونج كونج ومناطق حرة متعددة.

وقد وسّع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية نطاق تصنيفاته لتطول مصارف إيرانية عدة، من بينها بنك سينا الخاضع لإشراف مكتب المرشد الأعلى، وبنك سپه المرتبط بالمؤسسة العسكرية والداعم الرئيسي لبرنامج الصواريخ الباليستية، إلى جانب بنوك اقتصاد نوين وپارسيان والسياحة، لكلٍّ منها شركة رهبر مستقلة تضطلع بالمهمة ذاتها.

الخطوة الأمريكية هذه تأتي في مرحلة بالغة الهشاشة والتعقيد للاقتصاد الإيراني؛ إذ تجاوز التضخم الرسمي 72% خلال مارس الماضي، فيما فقد الريال أكثر من 20% من قيمته في أقل من 20 يوماً، وقفزت طلبات إعانات البطالة إلى 147 ألف طلب في شهرين، أي ثلاثة أضعاف معدل العام الماضي. وفي المحصلة، تعيش إيران اقتصادين متوازيين لا يلتقيان: اقتصاد ظاهر يتآكل يومياً تحت وطأة الضغوط المتراكمة، واقتصاد خفي تُديره شبكات الرهبر لضخ التمويل في المنظومة الأمنية والعسكرية.

وأن ما تقوم به عملية "الغضب الاقتصادي" بوضوح هو أن إغلاق هذا الاقتصاد الخفي بات هدفاً أمريكياً بذاته، غير مرتبط بمسار العقوبات التقليدية.

وتُشكّل الهوة المتسعة بين الاقتصادين المتوازيين، الخفي الذي تُديره شبكات الرهبر  والظاهر الذي يعيش فيه عموم الناس، جرحاً اجتماعياً من نوع خاص. حين يرى المواطن الإيراني أن ثمة منظومةً موازية تتدفق فيها المليارات وتتحايل على كل القيود ولا تتأثر بتداعيات العقوبات الاقتصادية، بينما يصارع المواطن لتأمين دواء أو رسوم مدرسية، وعليه فإن الشعور بغياب العدالة والتوازن يتحول من مجرد استياء فردي إلى انقسام بنيوي حاد يهدد الثقة بالمؤسسات وينتج أجيالاً تؤمن بأن القانون للضعفاء وحدهم، وأن الخطابات الأيديولوجية أداة لترويض الجمهور.

هنا يستحق المشهد السعودي وقفةً مقارنة دالّة؛ فحين اجتاحت كورونا العالم، جعلت المملكة العربية السعودية من مواطنها ومقيمها هدفها الأول، وقدّمت خدمات الفحص والعلاج والتطعيم مجاناً لكل من يقيم على أرضها دون تمييز بين جنسية ووضع قانوني ومستوى دخل.

 وكذلك حين اضطربت سلاسل الإمداد خلال هذه الحرب وتداعت تبعات التوترات المحيطة على دول الجوار، فتحت المملكة مطاراتها وموانئها ومستشفياتها أمام دول الخليج والعراق واليمن والسودان المتضررة دون إبطاء أو شروط. وفي هذين الموقفين معاً ما يكشف عن فلسفة دولة ترى أن الاستثمار في الإنسان والتنمية والبناء وفي استقرار المحيط ليس عبئاً بل رصيداً، وهو ما يبدو نقيضاً صارخاً لنموذج تُضخ فيه المليارات عبر شبكات سرية لتمويل الأذرع العسكرية بينما يرزح المواطن تحت وطأة التضخم والعوز.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة وعمل مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية ومستشارا إعلاميًا

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية