لا تكتمل قراءة الاقتصاد بأرقام النمو والتضخم والوظائف والإنفاق وحدها. فهناك جانب آخر يتعلق بنظرة المستهلك إلى وضعه المالي، وتوقعاته تجاه الأسعار وفرص العمل، ومدى استعداده لاتخاذ قرارات الشراء خلال الفترة المقبلة.
في السعودية، يقدم مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء قراءة دورية لنظرة الأفراد إلى أوضاعهم المالية وتوقعاتهم تجاه الاقتصاد. ويساعد المؤشر على معرفة ما إذا كان المستهلك يشعر بالاطمئنان إلى وضعه الحالي، أو يميل إلى الحذر تجاه المستقبل. وهذه القراءة مهمة لأنها تضيف إلى البيانات الاقتصادية صوت المستهلك، وليس فقط ما يظهر في أرقام المبيعات أو الناتج المحلي.
قد تبدو قراءة المؤشر سهلة؛ فارتفاع الثقة يوحي بزيادة الاستعداد للإنفاق، بينما يشير تراجعها إلى مزيد من الحذر. لكن ما يشعر به المستهلك لا ينعكس دائمًا بصورة مباشرة على قراراته الشرائية.
يعتمد المؤشر على إجابات الناس عن أوضاعهم الحالية وتوقعاتهم للمستقبل، لكنه لا يقيس إنفاقهم الفعلي. فقد يشعر المستهلك بالقلق من ارتفاع الأسعار أو مستقبل وظيفته، ومع ذلك يواصل شراء احتياجاته الأساسية. وفي المقابل، قد يكون متفائلًا تجاه الاقتصاد، لكن دخله لا يسمح له بزيادة الإنفاق.
ظهر هذا التباين بوضوح في الولايات المتحدة خلال الأعوام الأخيرة. فقد بقيت مؤشرات ثقة المستهلك عند مستويات ضعيفة، بينما استمر الاقتصاد في النمو وواصلت الأسر الإنفاق. وأثار ذلك تساؤلات حول قدرة هذه المؤشرات على توقع حركة الاستهلاك والنمو كما كانت تفعل في السابق.
أحد أسباب هذا التباين أن الإنفاق لا يتوزع بالتساوي بين المستهلكين. ففي الولايات المتحدة، تمثل الفئات الأعلى دخلًا نحو نصف الإنفاق الاستهلاكي، بعدما كانت حصتها تقارب الثلث قبل ثلاثة عقود. لذلك قد تتراجع ثقة شريحة واسعة من الناس، بينما يظل إجمالي الإنفاق قويًا بسبب استمرار أصحاب الدخول المرتفعة في الشراء.
كما أن استمرار الإنفاق لا يعني دائمًا تحسن الوضع المالي. فقد تحافظ الأسر على مستوى مشترياتها بسبب ارتفاع الأسعار أو باستخدام بطاقات الائتمان والقروض، وليس نتيجة ارتفاع دخلها الحقيقي. وفي هذه الحالة يبدو الاستهلاك قويًا في الأرقام، بينما تصبح الأسر أكثر حذرًا تجاه المستقبل.
ولا يمكن نقل الحالة الأمريكية إلى السعودية مباشرة، لاختلاف بنية الاقتصاد وتوزيع الدخول وأنماط الاستهلاك. لكنها توضح أن مؤشر الثقة يحتاج إلى أن يُقرأ مع بيانات أخرى، لا باعتباره مؤشرًا مستقلًا على اتجاه الإنفاق.
ولهذا من المفيد مقارنة نتائجه بحركة نقاط البيع، والتجارة الإلكترونية، والائتمان الاستهلاكي، ومبيعات السيارات والمساكن والسلع المعمرة. فإذا ارتفعت الثقة والإنفاق معًا، فهذا يعني أن تحسن نظرة المستهلك انعكس على سلوكه. أما إذا تحرك كل منهما في اتجاه مختلف، فقد تكون الأسعار أو الديون أو مستوى الدخل أكثر تأثيرًا في قرارات الشراء.
مؤشر ثقة المستهلك مهم لأنه يوضح نظرة الناس إلى أوضاعهم الاقتصادية. لكن فهمه بشكل أفضل يتطلب مقارنته بحركة الإنفاق الفعلية.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
