بيشاي: تبعات انهيار الأسواق في حال انفجار "فقاعة" الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ستطول كل الشركات
أصبح صانعوا السياسات أكثر قدرة على تخفيف حدة الأزمات.. لكنهم لا يستطيعون إيقافها كلياً
• السوق لم يحسم بعد إذا كان الذكاء الاصطناعي هو "الفقاعة" القادمة بالفعل
•
الأزمة المالية العالمية القادمة لن تفاجئ أحداً.
قبل نحو 3 أسابيع، حذر سُندار بيشاي، الرئيس التنفيذي للمجموعة المالكة لـ "جوجل" في حديث لـ "بي.بي.سي" من أن تبعات انهيار الأسواق في حال انفجار "فقاعة" الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ستطول كل الشركات.
لا يكاد يوم يمر دون أن يكون هناك جدال أو نقاش حول ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي مبررة، أو أنها ستؤدي إلى انهيار شبيه بما حصل مع "فقاعة الدوت كوم" مع مطلع الألفية عندما انهارت الأسواق وأفلست آلاف الشركات قبل أن تستخدم 97% من شبكات الألياف الضوئية (الفايبر أوبتيكس) التي تم تصنيعها في ذلك الوقت لتلبية الطلب. تلك الشبكات هي رقائق الذكاء الاصطناعي اليوم، أو هكذا يقول المتشائمون.
لسنا بحاجة إلى خبير لنعرف أن الأزمة المالية القادمة، سواء جاءت من الذكاء الاصطناعي أو ركن آخر من أركان الاقتصاد العالمي، هي مسألة وقت، ليس بسبب ارتفاع مخاطر الاستثمار حالياً بالضرورة، ولكن لأنها جزء من دورة الاقتصاد الحديث: نشاط يتبعه تباطؤ أو ركود. أصبح صانعو السياسات الاقتصادية والمالية أكثر قدرة على تخفيف حدة الأزمات والتقليل من وتيرة وقوعها، لكنهم لا يستطيعون إيقافها كلياً.
لماذا يتجاهل المستثمرون مخاطر الفقاعة الآن؟
لكن الانهيار القادم، على الأرجح، لن يبدأ هذا الأسبوع أو هذا الشهر. ذلك لأن المستثمرين قرروا التركيز على قرار البنك المركزي الأمريكي (الاحتياطي الفيدرالي) المتوقع بخفض الفائدة، وهو ما يؤدي عادة إلى ارتفاع في أسواق الأسهم. هناك شبه إجماع لدى المحللين في استطلاع لـ"بلومبرغ" ضم أكثر من 100 محلل أن تخفض اللجنة المسؤولة عن السياسة النقدية الفائدة بواقع 25 نقطة أساس (0.25 نقطة مئوية) يوم الأربعاء إلى ما بين 3.5% و3.75%.
قرار الفيدرالي بالخفض، بمعنى آخر، أهم في هذه اللحظة من مخاوف أن تكون استثمارات الذكاء الاصطناعي في الرقائق ومراكز البيانات، التي تجاوزت تريليون دولار، مدفوعة بتفاؤل غير مبرر حول العائد المتوقع منها في المستقبل.
أحد أسباب هذا التوجه هو أن السوق لم تحسم بعد إذا كان الذكاء الاصطناعي هو "الفقاعة" القادمة بالفعل. يقول كريستيان نولتينج، الرئيس التنفيذي للاستثمارات في مصرف "دويتشة بنك الألماني" خلال رده على سؤال لتلفزيون بلومبرغ إن الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة "الطفرة"، وهو نفس رأي جنسن هوانج، الرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا"، أكبر شركة في العالم والمنتج الرئيسي للرقائق.
جبهة هوانج هي الأقوى حالياً، إلا أن سيطرتها ليست مؤكدة على الإطلاق، وهو ما يستدعي السؤال التالي: هل يمكن للاحتياطي الفيدرالي أن يتحول من منقذ قصير الأمد ضد تراجع الأسواق إلى شبكة أمان تحمينا من آثار الانهيار القادم؟
دروس من فقاعة الدوت كوم
يمكن الإجابة عن هذا السؤال ببعض الثقة من خلال مقارنة الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية الآن مع السنوات التي تلت "فقاعة الدوت كوم" مع مطلع القرن الحالي ورد فعل البنك المركزي والحكومة.
مع بداية التراجع الحاد في أسهم التكنولوجيا المدرجة على مؤشر ناسداك في شهر مارس 2000، سارع الفيدرالي إلى خفض الفائدة من 6.5% 11 مرة إلى 1.75% بنهاية العام التالي. ساعد البنك المركزي برئاسة آلان جرينسبان في ذلك الوقت تراجع الضغوط التضخمية في الاقتصاد.
الحكومة الأمريكية أيضاً تدخلت عبر زيادة الإنفاق العام لتخفيف أثر الأزمة على الإنفاق الاستهلاكي. كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت تتمتع بفائض في الموازنة ورثه الرئيس جورج دبليو بوش من سلفه بيل كلينتون.
كيف كان رد فعل السوق؟ لم ينجح الضخ الهائل للسيولة من قبل البنك المركزي والحكومة الفيدرالية في إيقاف تراجع الأسهم، لكنه خفف من حدته بعض الشيء. في 2000، خسر مؤشر "ناسداك كومبوزيت" 40% من قيمته، و22% في العام التالي و32% 2002 قبل أن يبدأ في الصعود مرة أخرى. التفسير بسيط: يفترض أن يؤدي خفض الفائدة إلى تشجيع المستثمرين على المخاطرة برأس المال، لكنه لا يعالج الفائض الإنتاجي الموجود بالفعل. ماذا تفعل بشبكات الألياف الضوئية في المخازن دون طلب على توظيفها؟
اشطب "شبكات الألياف الضوئية" واكتب "رقائق الذكاء الاصطناعي" بدلاً منها لتفهم النتيجة. قد تحمي قرارات الفيدرالي المستهلك الأمريكي وتشجعه على شراء مزيد من المنازل، لكنها لن تحفز "أمازون" لشراء رقائق من "إنفيديا" على سبيل المثال.
الموقف اليوم أكثر تعقيداً أيضاً لأسباب أخرى.
أولاً: في 2001، كان أمام "الفيدرالي" مساحة أوسع لخفض الفائدة: 6.5% مقابل أقل من 4% حالياً.
ثانياً: يواجه الاقتصاد الأمريكي خطراً يتمثل في عدم تراجع معدلات التضخم بالسرعة التي يتمناها البنك المركزي، وذلك بسبب أثر التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.
ثالثاً: في 2000، كان حجم الدين العام الأمريكي أقل من 35% من الناتج المحلي الإجمالي. اليوم وصل هذا الرقم إلى 100%. ليست هناك شكوك في قدرة الولايات المتحدة على السداد، ولكن الارتفاع المطرد في حجم الدين يجعل زيادة الإنفاق أصعب سياسياً.
رابعاً: تركيبة السوق أيضا اختلفت. اليوم يسيطر "العظماء السبعة" (شركات التكنولوجيا العملاقة) على مؤشري ناسداك و"إس آند بي 500" بصورة غير مسبوقة، حيث تشكل قيمتهم السوقية المجمعة أكثر من ثلث السوق كلها.
خامساً: يرى الاقتصادي جايسون فورمان من جامعة هارفارد أن الذكاء الاصطناعي أصبح حالياً هو المحرك الرئيسي للاقتصاد الأمريكي. أشار فورمان في تقرير حديث إلى أن الاستثمار في معدات معالجة المعلومات والبرمجيات لم يشكّل سوى 4% من إجمالي الناتج المحلي الأمريكي في النصف الأول من عام 2025، لكنه كان مسؤولاً عن 92% من النمو خلال تلك الفترة.
من الواضح أن كل هذه المخاطر غير كافية حتى الآن في كبح جماح الأسواق أو "تنفيس" أي فقاعة بشكل تدريجي. اليوم نفرح مع تخفيض الفائدة، ونؤجل الفاتورة الأكبر ليوم آخر!
صحفي وكاتب لبناني مدير أكاديمية SRMG للتدريب، ومدير تحرير الاقتصاد الأوروبي في بلومبرغ سابقا.
بلومبرغ
