د. بكر عبداللطيف الهبوب
تولي الدول اهتمامًا متزايدًا بقطاع التجزئة، ليس لأنه قطاع استهلاكي فحسب، بل لأنه المرآة الأكثر حساسية لصحة الاقتصاد الحقيقي. ففي التجزئة تتجلى تقلبات الدخل، وتغيرات سلوك المستهلك، وضغوط التضخم، وكفاءة سلاسل الإمداد، وحتى جودة التنسيق بين الجهات الحكومية. ولهذا لم تعد التجزئة مجرد محلات وأسواق، بل منظومةً معقدةً تتقاطع فيها التجارة الإلكترونية، والبلديات، والضرائب، وحماية المستهلك، والمهارات البشرية، والمنافسة، والتقنية.
هذا التعقيد يفسر لماذا لم تستقر الدول على نموذج تنظيمي واحد. فبعضها يضع التجزئة تحت مظلة وزارة التجارة، وأخرى تنشئ هيئات مستقلة، بينما تفضّل دول ترك القطاع لقواعد السوق والجهات العامة كالمنافسة وحماية المستهلك. فمثلا الصين وسنغافورة تميلان إلى أجهزة قوية شبه وزارية تُدار بعقلية تشغيلية صارمة، في حين تتبنى الولايات المتحدة نموذجًا أقل تدخلًا. وبين هذين المسارين، برز نموذج ثالث أكثر هدوءًا وأعلى أثرًا يعتمد على التنظيم التشاركي القائم على العقل الجمعي المؤسسي.
في بريطانيا لم يعد تنظيم قطاع التجزئة هو الإشكال، بل إدارة تعقيده دون إعاقة ديناميكيته. وعلى هذا الأساس أُنشئ «مجلس وطني للتجزئة» ليس كجهة رقابية، بل كمنصة جامعة تضم الحكومة وكبار تجار التجزئة وشركات التقنية واتحادات العمال وخبراء سلاسل الإمداد. وتركز دوره على تحويل الخبرة التشغيلية اليومية للقطاع إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بتوصيات عامة.
ما يميز التجربة البريطانية أنها تجاوزت إطار المشاورات الشكلية. فقد أسهم المجلس في صياغة إطار وطني لمهارات العاملين في قطاع التجزئة، وأصبح لاحقًا جزءًا من برامج التدريب الحكومية. كما أدى دورًا محوريًا في دفع التحول الرقمي للمتاجر الصغيرة من خلال برامج دعم ممنهجة مكّنت آلاف المنشآت من تبني أنظمة نقاط البيع الحديثة والدخول إلى التجارة الإلكترونية. وحتى الملفات الحساسة كالعلاقة بين التجار والمنصات الرقمية أو آثار الأتمتة على الوظائف أصبحت تُناقش داخل المجلس بوصفه مساحة محايدة تنتج مبادئ تنظيمية جديدة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.
تكمن قوة هذا النموذج في توازنه الدقيق، حيث يقود القطاع الخاص النقاش بحكم خبرته التشغيلية، بينما تضمن الحكومة الحوكمة والاتساق مع السياسات الوطنية. إنه تنظيم لا يُفرض من أعلى، ولا يُترك للسوق بلا توجيه، بل يُصاغ داخل إطار تنظيمي تجريبي (Sandbox) يسمح باختبار السياسات وتعديلها قبل تعميمها، ويحوّل التنظيم من عبء إداري إلى أداة تحسين إنتاجية. ولهذا فليس المقصود استبدال الجهات التنظيمية القائمة أو إعادة رسم صلاحياتها، بل إنشاء طبقة تنسيقية مكمّلة لها، تعالج الفجوات بين الأدوار، وتمنح قطاع التجزئة قناة مؤسسية واحدة بدل تعدد المخاطبين وتضارب التفسيرات.
وعند إسقاط هذه الفكرة على واقع قطاع التجزئة في السعودية، تتضح الحاجة أكثر من أي وقت مضى. فالسوق السعودية من الأكبر والأسرع نموًا في المنطقة، لكنها تمر بمرحلة انتقالية دقيقة كتحديات تكاليف تشغيلية متصاعدة، مستهلك أكثر وعيًا وتطلبًا، منافسة متزايدة من التجارة الإلكترونية، تفاوت واسع في جاهزية المنشآت، وتعدد جهات تنظيمية لكل منها أدواتها ومنطقها. والنتيجة ليست خللًا في التنظيم بقدر ما هي تشتت في التنسيق وصعوبة في تحويل الرؤى إلى سياسات متماسكة.
لا تكمن المعضلة في نقص الأنظمة، بل في غياب منصة واحدة تُفهم فيها التحديات قبل تنظيمها. منصة تجمع اللاعبين الكبار والصغار، تنقل واقع السوق إلى صانع القرار، وتحوّل الحوار من شكاوى متفرقة إلى أولويات قابلة للمعالجة. مجلس وطني للتجزئة، يقوده القطاع الخاص ويعمل تحت إشراف حكومي، يستوعب المخاطر التنظيمية ويختبر الحلول قبل تعميمها.
غير أن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق دون بنية بيانات قطاعية دقيقة ومحدثة، تُغذّي أعمال المجلس وتحول النقاش من الانطباعات إلى الأدلة. فالعقل الجمعي لا يعمل بالحدس، بل بالبيانات؛ وبدونها يتحول أي مجلس إلى منتدى حواري لا أداة تقويم.
تمثل التجربة البريطانية نموذجًا ناضجًا للتنظيم يقوم على تمكين القطاع من المشاركة في صناعة سياساته. وعندما يتوافر لقطاع بحجم وأهمية التجزئة إطار مؤسسي يُقوّم أداءه، ويختبر تنظيمه، ويعبّر عن صوته بوضوح، ينتقل التركيز من استحداث جهة تنظيمية جديدة إلى بناء مجلس تنسيقي يعزز كفاءة التنظيم، ويرفع كفاءة السوق، ويمكّن القطاع من صناعة مستقبله.
مستشار قانوني
