الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يكتسب الاقتصاد مرونته من قدرته على التنويع، فانكماش قطاع يعالجه ازدهار آخرَ. ولكن ماذا سيحدث لو حدث تركز أكبر لرأس المال والعمالة وودائع البنوك في قطاع واحد وتقنية فريدة تُبنى أسطورتها على مضاعفة الإنتاج وتحقيق رخاء لم يشهده إنسان من قبل؟

الحقيقة أننا أمام مسار معقد تتفوق فيه أحاديث الفقاعات عن العوائد، ومخاطر الأزمة عن التطور والتقدم، فقديماً حذرنا علماء الاقتصاد من وضع البيض في سلة واحدة، ولكن اليوم تجاوزنا المثل وبات جزءٌ مهمٌ من استثماراتنا ومدخراتنا وحتى طموحاتنا في سلة مراكز البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

تشير تقديرات بنك جولدمان ساكس بوصولِ الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في عام 2026 إلى أكثر من تريليون دولار، ويشملُ ذلك بناء مراكز البيانات ومحطات تغذية الكهرباء بجانب رقائقَ إلكترونية متقدمة دون التطرق لتكلفة تطوير النماذج. قد يظن القارئ أن شركات الحوسبة والتقنية الكبرى تملك رؤوس الأموال اللازمة للتمويل، ولكن الإجابة لا. فإن جزءاً كبيراً من هذه الاستثمارات يتمُّ تمويلُه عن طريق الاستدانة من الأسواق في صورة سندات أو قروض مصرفية.

يوجد ذلك منافسة على الوصول إلى رأس المال بين حكومات وشركات ومراكز حاسوبية. في النهاية ينتصر من يتمتع بتصنيف ائتماني أقوى ورواية متفوقة تَعِدُ المستثمرين باقتسام عوائد تقنية ستقود مستقبل العالم يوماً.

ليس رأس المال الوحيد في مرمى التركز، وإنما أسواق العمل. فالاستثمار السريع في بناء مراكز البيانات يوجه كثيراً من العمالة إلى قطاعات أساسية مرتبطة مثل البناء والتشييد والكهرباء والطاقة حتى منشآت الرقائق الإلكترونية.

فالامتيازات الكبيرة التي تمنحها شركات التقنية مثل الأجور بسبب رغبتها في تسريع وتيرة البناء تحوّل العاملين إلى تلك القطاعات، مع حدوث نقص في صناعات أخرى يعملون فيها، ما يؤثرُ في قدرات إنتاجية حيوية.

في زخم كل هذا التركز الرأسمالي والعمالي نفقد نقطة نقاش أساسية تتمحور حول العائد وفترات الاسترداد. فنشاط الذكاء الاصطناعي - سواء من شركات تطوير النماذج أو شركات التقنية العملاقة - يعاني خسائر، بجانب عدم قدرة نماذج الأعمال الحالية على صنع تدفقات تنمو بمعدلات تتناسب مع حجم الاستثمار.

فالقدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تتعاظم عند دمجه في القطاعات الإنتاجية والتصنيع المتقدم وإدارة الخدمات العامة وتطوير الرعاية الصحية، ولكن ما زال هناك تأخير في هذا المسار حتى الآن.

هذا الزخم يجب ألا يتجاهل مخاطر أساسية تحيط بتركز التمويل ورأس المال. فكما ذكرنا فالجميع منخرط في توفير السيولة للقطاع، من مدخرات الأفراد والشركات في البنوك وصناديق التقاعد وشركات التأمين، إلى فوائض الثروات الحكومية في الصناديق السيادية واحتياطيات البنوك المركزية، حتى محافظ الاستثمار لشركات إدارة الأصول. فحدوث هزة نتيجة ضعف عوائد، أو فقاعات تقييم، أو تدخلات عامة لضبط ووقف تطوير القطاع ستشكل ضربة مؤلمة ليس فقط للمستثمرين، وإنما لاستقرار العالم المالي والاقتصادي.

تُدخلنا أيضاً طفرة البناء للبنية التحتية لقدرات الحوسبة في دورة نمو وهمية، فالاستثمارات قادرة على خلق نمو غير مستدام في الاقتصاد لفترة قصيرة مدعوماً بطفرة استثمارية مؤقتة؛ مع تجاهل الانكماش في قطاعات إنتاجية مثل التصنيع والزراعة والخدمات نتيجة نقص التمويل وارتفاع التكاليف وتآكل القدرة الشرائية واضطرابات الجغرافيا السياسية وقيود التجارة.

ولكن مع انكماش طفرة البناء تظهر على السطح فقاعات انكماشية في الطلب والعرض والسيولة. يدخل هذا الاقتصاد في تباطؤ حقيقي يؤثر في النمو والتنمية وإيرادات الخزانة العامة، دون الأخذ في الحسبان مخاطر الفقاعات في أسواق الأسهم أو السندات.

في الختام يظل الطريق الأمثل القادر على معالجة المخاوف ودحض المخاطر التي تحيط بتركز الاستثمار والتمويل في الذكاء الاصطناعي هو قدرة وسرعة وكفاءة التقنية على الاندماج في قدرات الإنتاج وإحداث ثورة حقيقية في المنتجات والقطاعات، تجعلها تسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وانعكاس إيجابي على تكلفة المعيشة وجودة الخدمات وإيجاد دخل مستدام للحكومة والشركات، وليس التجمد والانبهار أمام حملات صنع الفيديوهات ومعالجة الصور واتخاذ النماذج أصدقاء للدردشة.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية