الجمعة, 11 سبتمبر 2026|28 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

قد تبدو مقارنة شركة يعمل لديها بضعة آلاف من الموظفين بأكبر بنك أمريكي مقارنة غير عادلة، لكن الأرقام تجعلها مثيرة للاهتمام.

شركة  Jane Street هي شركة أمريكية متخصصة في التداول الكمي وصناعة السوق، وتعتمد بدرجة كبيرة على النماذج الرياضية والخوارزميات والتقنية في تسعير وتداول مجموعة واسعة من الأدوات المالية. وخلال عام  2025 حققت الشركة نحو 39.6 مليار دولار من صافي إيرادات التداول، متجاوزة إيرادات التداول لدى بنك JPMorgan في العام نفسه. خلف هذه الأرقام يظهر نموذج مختلف لصناعة المال، يقوم على البيانات والسرعة والقدرة على إدارة المخاطر على نطاق واسع. ولكن هل استطاع التداول الخوارزمي أن يتحول من مجرد أداة لتنفيذ الصفقات بسرعة أكبر إلى نموذج أعمال مستدام؟

تعمل Jane Street اليوم في أكثر من 200 منصة تداول حول العالم، وتتعامل مع أسواق متعددة تشمل الأسهم والسندات والخيارات وصناديق المؤشرات. ويقوم جزء أساسي من نموذجها على تسعير عدد ضخم من الأدوات المالية، وتوفير السيولة للأسواق، وتحليل البيانات وإدارة المخاطر بسرعة يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية وحدها.

لكن هذا لا يعني أن الخوارزميات حلت محل الإنسان بالكامل. التداول الكمي والخوارزمي لم يلغ دور العنصر البشري، بل غير طبيعة هذا الدور. وتجمع الشركة في عملها بين النماذج الكمية والتقنية والخبرة البشرية، بينما سمحت التقنية بالتعامل مع كميات أكبر من البيانات وتنفيذ القرارات بسرعات لم تكن ممكنة في السابق.

وساعد على توسع هذا النموذج تغير طريقة عمل الأسواق نفسها. فالتداول الإلكتروني أصبح جزءا أساسيا من أسواق الأسهم والخيارات والعملات، بينما يمتد بصورة متزايدة إلى أسواق السندات. ومع انتقال مزيد من التداول إلى المنصات الإلكترونية، أصبحت السرعة في التسعير وتحليل البيانات والقدرة على توفير السيولة عوامل أكثر أهمية في المنافسة.

ويظهر ذلك بوضوح في سوق السندات. خلال عام 2025 تداولت Jane Street أكثر من 900 مليار دولار من السندات، ووسعت وجودها في سوق سندات الخزانة الأمريكية، وهي مساحة ارتبطت لفترة طويلة بالبنوك الكبرى. وهذا التوسع يوضح أن المنافسة لم تعد محصورة بين شركات التداول، بل بدأت تمتد إلى أنشطة كانت البنوك تسيطر على أجزاء كبيرة منها.

كل ذلك يشير إلى أن التداول الخوارزمي تجاوز مرحلة كونه مجرد أداة مساعدة، وأصبح نموذج أعمال قائما بذاته. لكن النجاح في بناء هذا النموذج لا يعني بالضرورة أن أرباحه ستكون مستدامة.

الميزة في هذا النشاط لا تأتي من تطوير خوارزمية واحدة ثم استخدامها باستمرار. الأسواق تتغير، والمنافسون يطورون أدواتهم، والإستراتيجية التي تمنح شركة تفوقا اليوم قد تفقد جزءا من قيمتها عندما يستطيع الآخرون الوصول إلى أدوات مشابهة أو بناء نماذج أكثر كفاءة.

ولهذا لا تدور المنافسة حول امتلاك التقنية فقط، بل حول القدرة على تطويرها باستمرار. جودة البيانات، وسرعة البنية التحتية، وحجم رأس المال، والوصول إلى الأسواق، وإدارة المخاطر، كلها عناصر تصنع الفارق إلى جانب الخوارزمية نفسها.

وتجربة Jane Street هذا العام تذكرنا بهذه النقطة. ففي يوليو الماضي  تعرضت الشركة لخسائر كبيرة مرتبطة بمراكز استثمارية في أسهم التقنية واستثمار في صندوق تحوط، وسجلت أول شهر سلبي لها منذ سنوات. الملفت أن جزءا كبيرا من هذه الخسائر جاء من رهانات أكبر وأطول أجلا، بعيدا نسبيا عن النشاط قصير الأجل الذي اشتهرت به الشركة في صناعة السوق.

وهذه التجربة لا تعني فشل نموذج التداول الخوارزمي، بقدر ما توضح أن التقنية لا تلغي المخاطر. فهي تستطيع زيادة السرعة والكفاءة والقدرة على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات، لكنها لا تجعل القرار صحيحا في كل مرة ولا تضمن استمرار الأرباح.

لذلك ربما لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان التداول الخوارزمي قد نجح، فانتشاره وحجم الشركات التي بنيت حوله يشيران إلى أنه نجح إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: ما إذا كانت هذه الشركات تستطيع المحافظة على تفوقها في سوق تصبح فيه الخوارزميات أسرع، والتقنيات أكثر انتشارا، والمنافسة أشد.

فاستدامة هذا النموذج لا تعتمد على امتلاك الخوارزمية نفسها، وإنما على القدرة على تطوير الميزة التي تقف خلفها بشكل أسرع من السوق.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية