لن يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن محاولاته بناء "جدران" جمركية جديدة، مشابهة لتلك التي فرضها فور وصولها إلى البيت الأبيض. معنى ذلك، أن قرار المحكمة العليا الأمريكية التي أمرت برد الرسوم الإضافية التي تم تحصيلها طوال الفترة الماضية، ليس نهاية المسألة، بالرغم من أن الشركات التي تلقت الأموال المستردة، صدمت بالفعل من سرعة تنفيذ الحكم القضائي، الذي وصفه ترمب كالعادة، بأنه ضد المصالح الأمريكية، وأن "قضاة المحكمة كبدوا البلاد تريليونات من الدولارات".
يعقد الرئيس الأمريكي، أن كل زيادة للرسوم الجمركية، تدعم الاقتصاد المحلي بقوة، رغم أن التجربة أثبتت أنها أربكت المشهد التجاري العالمي، ورفعت التضخم، وتسببت بتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وأقرب الحلفاء لها. بل وشجعت قيام تحالفات تجارية للوقوف بوجه واشنطن.
ويبدو واضحاً، أن ترمب الذي يحب "المقاومة"، سيواصل "التناحر" التجاري، وإن بوتيرة أقل، لأسباب كثيرة، في مقدمتها انشغاله حالياً بالمواجهة في الشرق الأوسط، وقرب موعد انتخابات التجديد النصفي في بلاده، وغير ذلك من مشاكل متفرقة على الساحة المحلية، بما فيها بالطبع الضغوط الآتية من جهة الطاقة التي سجلت ارتفاعات متعددة في الآونة الأخيرة.
يحتاج البيت الأبيض لفترة ليست قصيرة، لإطلاق سلسلة من الرسوم الجديدة، التي يمكن وصفها بـ "الالتفافية"، وربما لهذا السبب، تسارعت عمليات إعادة الأموال التي أمرت بها المحكمة للشركات المتضررة، في حين أن مسائل كهذه تتطلب عادة فترات تصل إلى أشهر عديدة، بل وسنوات لإتمامها. كل شيء يجري بسلاسة، ولكن أيضاً يطرح تساؤلات مستحقة، حول طبيعة الاستردادات.
في غضون أسابيع قليلة جداً، أعادت إدارة ترمب نحو 100 مليار دولار من الرسوم "الجائرة"، أو ما نسبته 60 % من الإجمالي العام لها. المشكلة الحالية باتت تتعلق بالمستفيدين من ذلك. صحيح أن الشركات التي دفعت الرسوم الإضافية هي التي تستحق الاستردادات، لكن الصحيح أيضاً، أن هذه الأموال لن تجد طريقها إلى المستهلكين أو أصحاب الشركات الصغيرة.
فالكل يعرف، أن هؤلاء أكثر الذين تضرروا من رسوم ترمب، لماذا؟ لأن الشركات الكبرى كانت تمررها إليهم على الفور. بالطبع فتح هذا الأمر الباب على مصراعيه أمام معارضي الرئيس الأمريكي، ولا سيما من التيار الديمقراطي، بمن فيهم عضو الكونجرس عن ولاية تكساس جريج كاسار، الذي قال "إن ترمب يرسل الاستردادات إلى الشركات وليس للعمال أو المستهلكين عموماً".
وبصرف النظر عن التفسيرات لهذا الأمر، وتعقيدات حلها، خسر ترمب في النهاية معركته التي أطلق عليها مبكراً "يوم التحرير"، ولا شك أن الأدوات التي يملكها حالياً لشن سلسلة جديدة من الرسوم الجمركية، ليس كثيرة ولا حتى قوية بما يكفي، لحدوث مواجهة قضائية جديدة.
كاتب اقتصادي
