الجمعة, 11 سبتمبر 2026|28 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

أسهم سكوت بيسنت، المسؤول البارز في وزارة الخزانة الأمريكية، في إشعال عديد من الأزمات الاقتصادية التي واجهت إدارة دونالد ترمب. والآن، وفي دور "رجل الإطفاء"، ربما يحرز أخيراً تقدماً بشأن إحدى الأفكار المميزة للرئيس: خفض قيمة الدولار المبالغ فيها. ومع ذلك، قد يعرقل الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) -بميله نحو سياسة نقدية متشددة- هذا المسعى.

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض قبل نحو 20 شهراً، سادت قناعة بأن إحدى الطرق العديدة المقترحة لإعادة التوازن إلى التجارة والاستثمار الأمريكيين، وإعادة التصنيع في أكبر اقتصاد في العالم، تتمثل في خفض قيمة الدولار من مستوياته المرتفعة واستعادة القدرة التنافسية في مواجهة بقية العالم.

ورغم أن هذا الأمر لم يُطرح صراحةً بهذه الصيغة أثناء توليه المنصب، فإنه كان واضحاً للغاية خلال الحملة الانتخابية ومن خلال كتابات كبار مستشاري ترمب؛ إذ رأوا أن سنوات ارتفاع قيمة الدولار أدت إلى تفاقم الاختلالات في التجارة وأسواق الأصول الأمريكية، وأنه لا بد من معالجة هذا الوضع.

ماذا حقق حتى الآن؟ لقد كان بيسنت أحد كبار المفاوضين في عديد من الاتفاقيات التجارية الثنائية التي تلت موجة الرسوم الجمركية الأولى التي فرضها ترمب، ولا سيما تلك المتعلقة باليابان ودول آسيا.

لكنه أظهر نشاطاً مكثفاً بشكل خاص في الآونة الأخيرة، ولا سيما في تنسيق التدخل المشترك مع طوكيو لتعزيز قيمة الين، وتشجيع تدخل مماثل في كوريا الجنوبية، مع العمل في الوقت نفسه -خلف الكواليس- على كبح جماح عوائد سندات الخزانة الأمريكية.

وقد يجادل البعض بأن هذه الإجراءات الثلاثة مجتمعة، إلى جانب 18 شهراً من السياسات الحمائية والترتيبات التجارية الثنائية، بدأت أخيراً في تنفيس "فقاعة" سعر صرف الدولار.

ولوضع الأمور في سياقها الصحيح، ارتفع المؤشر الاسمي للدولار المرجح تجارياً مقابل عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين بنحو 50% في الفترة ما بين 2011 ومراسم تنصيب ترمب لولايته الثانية العام الماضي؛ وكان ذلك مدفوعاً في المقام الأول بتدفقات هائلة للاستثمارات الخارجية نحو الأسهم والسندات الأمريكية، في الوقت الذي اتسعت فيه الفجوة في العجز التجاري والاستثماري للولايات المتحدة. عنى ذلك تحقيق مكاسب سنوية متوسطة تقارب 3% على مدى 14 عاماً، ومثّل دفعة قوية للمحافظ الاستثمارية الأجنبية الباحثة عن فرص متنوعة، بدءاً من أسهم التكنولوجيا في "وول ستريت" ووصولاً إلى سندات الخزانة الأمريكية.

ومنذ ذلك الحين، تراجع المؤشر بنحو 8% ليقترب الآن من أدنى مستوياته في أكثر من 3 سنوات؛ وهي حالة من الانفراج المحدود بالنظر إلى الاضطرابات الهائلة التي لحقت بنظام التجارة العالمي والتحالفات الدولية.

غير أن هذا المؤشر العام يخفي وراءه قصصاً متعددة - وعادة ما تكون غير متوقعة - تتعلق بأسعار الصرف. وقد حققت جهود خفض قيمة الدولار أكبر نجاح لها في آسيا؛ إذ ارتفعت قيمة اليوان الصيني (المتداول خارج البر الرئيسي) - خلافاً للتوقعات السائدة آنذاك - بنحو 10% منذ فرض الرسوم الجمركية التي أطلق عليها ترمب اسم "يوم التحرير" في أبريل 2025.

في المقابل، كانت عملية خفض قيمة الدولار مقابل الين الياباني أو حتى الوون الكوري الجنوبي أكثر تعقيداً، ولم تؤتِ ثمارها إلا أخيراً - وربما يعزى ذلك جزئياً إلى ضغوط السياسات الثنائية، والتعهدات الاستثمارية، والتدخل المباشر في السوق.

احتاج الين إلى تحرك مشترك بين الولايات المتحدة واليابان في أواخر يوليو ليجد أرضية للاستقرار، ثم تعافى بنسبة تزيد عن 6% في الفترة الفاصلة، في ظل ترقب الأسواق لخطوة بنك اليابان التالية برفع أسعار الفائدة الأسبوع المقبل. ورغم أن التطورات المقبلة تثير اهتماماً بالغاً، فإن سعر صرف الدولار مقابل الين ظل دون تغيير جوهري طوال فترة ولاية ترمب الثانية.

أما الوون الكوري الجنوبي فكان تحليله أكثر صعوبة؛ إذ واصل الهبوط الحاد بالتزامن مع الين في وقت سابق من هذا العام، رغم المكاسب الهائلة التي حققتها أسواق الأسهم في البلاد والتي تهيمن عليها شركات الرقائق الإلكترونية. ومع ذلك، جاء تعافيه منذ يوليو مدفوعاً بتدخل محلي وبالقفزة التي حققها الين، ليحقق مكاسب تراكمية بنحو 15% في غضون 6 أسابيع فقط، مسجلاً بذلك ارتفاعاً صافياً يناهز 6% منذ يناير من العام الماضي.

اتفاقيات مصغرة أم قطار جامح؟

إذن، قد يكون التقدم المحرز في خفض قيمة الدولار يتصاعد مقابل اليوان والوون والين والدولار التايواني؛ وهي عملات تشكل مجتمعة ما يزيد قليلاً على 20% من سلة الدولار المرجحة تجارياً.

ورغم أهمية هذا الوزن النسبي الجماعي، فإنه يعادل فقط وزن اليورو. ومع أن زوج اليورو/دولار لم يشهد تغيرات تذكر خلال الأشهر الـ12 الماضية، فإنه لا يزال مرتفعاً بنسبة 11% منذ عودة ترمب إلى السلطة. ينطبق المشهد ذاته على الجنيه الإسترليني والفرنك السويسري؛ إذ تشكل هذه العملات الأوروبية الـ3 مجتمعةً نحو 30% من سلة عملات الدولار.

وفيما يتعلق بالوزن النسبي، يبرز لاعبان رئيسيان آخران هما: المكسيك وكندا، اللتان تشكلان معاً نسبة كبيرة تصل إلى 28% من مؤشر الدولار؛ فقد ارتفع البيزو المكسيكي بنحو 20% خلال فترة ولاية ترمب حتى الآن ولا يزال في صعود، في حين سجل الدولار الكندي ارتفاعاً أكثر تواضعاً بنسبة 3%".

كتب "جين" مشيراً إلى توقعات بضعف الدولار مستقبلاً، ومستحضراً فكرة ستيفن ميران -مستشار ترمب السابق وصانع السياسات في الاحتياطي الفيدرالي- بشأن "صفقة متعددة الأطراف" لمعالجة الاختلالات الأمريكية، وهي فكرة عُرفت باسم عقار ترمب في فلوريدا.

هل يبدو هذا الطرح أقرب إلى نظريات المؤامرة؟

يبدي خبراء آخرون في سوق العملات ثقة أقل في قدرة الإدارة على تنسيق كل العوامل المتغيرة مع السعي لخفض قيمة الدولار، ولا سيما إذا عاود النمو والتضخم في الولايات المتحدة الارتفاع واضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة؛ إذ سيشكل رفع الفائدة الأمريكية الأسبوع المقبل تحدياً كبيراً للمشهد العام.

ومع ذلك، يشير كيت جاكس، المحلل في بنك "سوسيتيه جنرال"، إلى أن جميع تحركات فريق ترمب -بدءاً من الضغط على الاحتياطي الفيدرالي ووصولاً إلى التدخل المباشر في سوق العملات أو وضع سقف لعوائد السندات- "تشير باستمرار إلى رغبة في دولار أضعف".

لقد عززت "العلاوة" السنوية البالغة 3% -التي جناها المستثمرون الأجانب من حيازاتهم للأسهم والسندات الأمريكية على مدى 14 عاماً- ذلك التفضيل في المقام الأول؛ في حين أن احتمال تكبد خسارة سنوية بنسبة 3% مستقبلاً يمثل سيناريو مختلفاً تماماً.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية