السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


 جيمي ماكغيفر

لن يكون المزاد الذي أجرته وزارة الخزانة الأمريكية يوم الأربعاء لبيع سندات لأجل 20 عاماً هو الأخير، لكن أيام هذه الأداة الدين طويلة الأجل قد تكون معدودة. وتكاليف الاقتراض طويل الأجل مرتفعة؛ فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات و30 عاماً في وقت سابق من هذا الشهر إلى أعلى مستوياتها منذ 2002، لتصل إلى 5.36% و5.66% على التوالي.

كما بلغ العائد الذي دفعته وزارة الخزانة لاقتراض 13 مليار دولار  الأربعاء الماضي 5.469%، وهو أعلى عائد في مزاد لسندات مدتها 20 عاماً منذ  1986. وقد تصاعدت أخيراً النقاشات حول ما إذا كان ينبغي للحكومة إلغاء هذا النوع من السندات -الذي يتسم بضعف السيولة- بشكل نهائي.

وفي الوقت نفسه، تجاوز الدين الفيدرالي الأمريكي حاجز الـ 40 تريليون دولار، بينما وصلت فاتورة الفوائد التي تتحملها واشنطن للسنة المالية 2026 إلى مستوى قياسي بلغ 1.36 تريليون دولار، ما رفع نسبة مدفوعات الفوائد إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى تاريخي عند 3.2%. وتشير كل هذه المؤشرات إلى اتجاه تصاعدي. عندما يتجاوز الدين 40 تريليون دولار، فإن خفض تكاليف الاقتراض بمقدار بضع نقاط أساس يمكن أن يوفر مليارات الدولارات. وهذا يشير إلى إستراتيجية واضحة لخفض متوسط ​​تكاليف الاقتراض الحكومي: تخفيف العبء عن الجزء طويل الأجل من منحنى العائد، والاعتماد أكثر على الاقتراض قصير الأجل، حيث تكون أسعار الفائدة أقل.

ويبدو أن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، عازم على القيام بذلك بالضبط؛ ففي أغسطس، أعلنت وزارة الخزانة أنها ستضاعف -على الأقل- عمليات إعادة شراء الديون طويلة الأجل (التي تشمل سندات لأجل 10 سنوات و20 عاماً و30 عاماً) من ملياري دولار إلى 6 مليارات دولار.

وذكرت وزارة الخزانة أن هذه الخطوة تعكس "رغبتها في توفير دعم أكبر للسيولة" في أجزاء معينة من منحنى العائد. قد يكون ذلك صحيحاً، لكنه يتزامن أيضاً مع جهود طويلة الأمد تهدف إلى تقصير آجال استحقاق ديون وزارة الخزانة. ففي الوقت الراهن، تشكل أذون الخزانة -التي تستحق خلال عام أو أقل- نحو 22% من إجمالي الدين العام الأمريكي، مقارنة بنحو 15% قبل 5 سنوات.

وهذه الإستراتيجية بعيدة كل البعد عن كونها "خالية من المخاطر"؛ فمن خلال زيادة حصة الديون قصيرة الأجل، تتخلى الحكومة عن الأمان الذي يوفره التمويل طويل الأجل، مما يضطرها إلى إعادة تمويل ديونها بوتيرة أكثر تكراراً. وتُعرّض "مخاطر إعادة التمويل" هذه الحكومةَ لنوبات من الصدمات أو التقلبات في الأسواق. لكن الخيارات المتاحة أمام بيسنت محدودة للغاية.

هل من حكمة في الأفق؟

قد تجتاح واشنطن فجأةً موجةٌ من الحماس لتقليص العجز، ما قد يؤدي إلى تخفيضات ضخمة في الإنفاق أو زيادات كبيرة في الضرائب؛ لكن هذا السيناريو يبدو مستبعداً. لقد بلغ العجز في الميزانية الأمريكية تريليوني دولار في السنة المالية 2026، أي ما يعادل أكثر من 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك لا تبدي الإدارة في البيت الأبيض رغبةً تُذكر لمعالجة هذه المشكلة.

بل إن الرئيس دونالد ترمب تعهد أخيرا اً بمنح شيكات بقيمة 5000 دولار لكل شخص بالغ في البلاد، في حال فوز حزبه الجمهوري بكلا مجلسي الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر. ووفقاً لـ "لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة"، فإن هذه الخطوة ستكلف أكثر من 1.1 تريليون دولار.

وفي ظل غياب إجراءات جادة لتقليص الإنفاق، يتعين على وزارة الخزانة النظر في تدابير أخرى للمساعدة في خفض تكاليف الاقتراض طويل الأجل. ومن بين هذه التدابير تقليص مبيعات السندات لأجل 20 عاماً، أو إلغاؤها تماماً؛ إذ تُعد هذه السندات من أقل أجزاء منحنى العائد سيولةً، مع محدودية في قاعدة المشترين الطبيعيين لها، مما يضطر الحكومة غالباً إلى تقديم عائد أكثر جاذبية قليلاً لجذب المستثمرين. وستتضح الصورة أكثر في الأسبوع الأول من نوفمبر، حين تكشف وزارة الخزانة عن خططها الفصلية لإعادة التمويل.

فما الذي يمكن توقعه؟

في الظروف العادية، لا يُتوقع الكثير؛ فبحسب وزارة الخزانة ذاتها، ينبغي أن تتسم عمليات مزادات الديون، وجداولها الزمنية، وحجم الإصدارات بـ "الانتظام والقدرة على التنبؤ"، وذلك لضمان حسن سير العمل في أكبر الأسواق المالية وأكثرها أهمية في العالم. لكننا نعيش اليوم ظروفاً استثنائية. لم تحقق خطة وزارة الخزانة لإعادة شراء السندات -بقيمة 6 مليارات دولار- النجاح المرجو؛ إذ أخفقت الحكومة في شراء كامل المبلغ خلال الجولتين الأوليين من عمليات إعادة الشراء في  سبتمبر. والأهم من ذلك، أن عوائد السندات طويلة الأجل ارتفعت بما يصل إلى 50 نقطة أساس عقب الإعلان عن هذه الخطة.

ويتوقع إستراتيجيو أسعار الفائدة الأمريكية في "سيتي" (Citi) أن يتم تقليص أحجام المزادات للسندات ذات أجل 20 عاماً و30 عاماً بمقدار 3 مليارات دولار، على أن يتم تعويض هذا النقص من خلال إصدار المزيد من أذون الخزانة. كما قد تختار وزارة الخزانة نهجاً أكثر مرونة، يتمثل في الإبقاء على أحجام المزادات كما هي، مع الإشارة إلى إمكانية إجراء تعديلات مستقبلية.

وثمة احتمال آخر، وهو أن تقرر وزارة الخزانة الإبقاء على الوضع الراهن. ويرى المحللون في "جي بي مورغان" (JPMorgan) أن حجم الاقتراض المطلوب في السنوات المقبلة ضخم للغاية، لدرجة أنه "لن يكون من الحكمة" التخلي عن مصدر تمويل "حيوي" يوفر 168 مليار دولار سنوياً. ويضيفون أن ارتفاع العوائد -وإن كان ملحوظاً- لا يعني بالضرورة انفصالها عن الأسس الاقتصادية الراهنة.

ونظراً لتزامن ذلك مع انتخابات التجديد النصفي في الأسبوع الأول من نوفمبر، قد لا تحظى خطة إعادة التمويل الفصلية لوزارة الخزانة باهتمام كبير من جانب المستثمرين. لكن هذا قد يكون خطأً؛ فالتغييرات الطفيفة في إستراتيجية التمويل الحكومية قد تترتب عليها تداعيات كبيرة على المدى البعيد.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية