دانية أركوبي
تتولى البنوك المركزية مهام إدارة النظام النقدي في الدول عبر مهام محددة تشمل السيطرة على التضخم، دعم النمو والتوظيف، واستقرار العملة المحلية عبر أدوات أهمها أسعار الفائدة. وعلى مدى العقود الماضية نعمت البنوك المركزية بمكانة رفيعة في النظام الاقتصادي، بجانب تمتعها بقدر لا بأس به من الاستقلالية في إدارة السياسات النقدية. وظلت لعقود الأوصياء غير المتنازع عليهم على الاستقرار الاقتصادي. ولكن اليوم، تتآكل تلك السلطة بهدوء.
هذه الأهمية يمكن ملاحظتها في انتظار الأسواق والمستثمرين الإحاطات الشهرية التي يقدمها رئيس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، أو رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أو بنك اليابان. فقرارات وتحركات البنوك المركزية قادرة على التحكم في تريليونات الدولارات من الأصول والاستثمارات، من السندات إلى الأسهم. وقد تمكنت البنوك المركزية من الصمود بل وإدارة أكبر الأزمات الاقتصادية والمالية، وفي مقدمتها الأزمة المالية في عام 2008.
ولكن تواجه البنوك المركزية اليوم واقع مختلف يفرض تغيرات هيكلية في وظائفها التقليدية، وذلك في ظل مؤشرات اقتصادية ومالية مضطربة، وعدم يقين متزايد بسبب نزاعات جيوسياسية وتجارية تثقل كاهل التضخم وتؤثر في التعافي الاقتصادي، وتطورات في التكنولوجيا تهدد الاستقرار المالي وتنذر بتغيرات تفقدها مكانتها في عالم التمويل وإدارة النقد. وتشير هذه التغيرات إلى تآكل بطيء لكنه مهم في قوة البنوك المركزية.
هذه التغيرات المفروضة بقوة الجغرافيا السياسية وصدمات الاقتصاد أو التقنيات الناشئة تفرض على البنوك المركزية نموذج عمل مختلف بوظائف إضافية. فالسياسات النقدية صارت تتخطى القواعد التقليدية، ما حدث أثناء الجائحة يعطينا مثال واضح، حزم التحفيز المتجاوزة سعة الميزانيات التي أطلقتها الحكومات بدعم البنوك المركزية تسببت فيما بعد في موجه ارتفاع أسعار، وتضخم في المالية العمومية. الهدف كان تحفيز الاقتصاد ولكن النتيجة كانت تقويض أهم أهداف السياسات النقدية المتمثل في كبح التضخم.
ضغوط الجيوسياسة تجذب معاها البنوك المركزية. على سبيل المثال دفع تنامي الخلافات التجارية بين القوى الغربية والصين البنك المركزي الصيني لتسريع وتيرة استبدال الأصول المقومة بالعملات العالمية مثل سندات الخزانة الأمريكية وتعويضها بالذهب، بجانب تعزيز التبادل بالعملات الوطنية في المعاملات التجارية والمالية. الهدف بشكل أساسي الضغط على الدولار، وخفض تأثيره في هيكل الاقتصاد العالمي.
العملات المشفرة ومنصات التمويل اللامركزي التي لا تخضع لسلطات تنظم أعمالها، وبات خيار مفضل لدى جمهور كبير من المستثمرين والأفراد، نظراً للكفاءة والسرعة والتكلفة المنخفضة التي تتمتع بها صارت خطرا واضحا يهدد استقرار البنوك المركزية. من ناحية التسرب الواضح للمدخرات خارج الأجهزة المصرفية يضعف من قدرتها على التأثير في الاقتصاد والتمويل والسيولة، ومن ناحية تقويض سلطتها على مراقبة حركة الأموال داخل الاقتصاد واستخدامها في تمويل عمليات مشبوهة.
وعلى الرغم من محاولة البنوك مجاراة سباق رقمنة العملات، عن طريق طرح عملات رقمية تحاكي المشفرة من حيث التشغيل عبر الاعتماد على تقنياتها، ولكن تخضع لسلطتها. لكنها ما زالت في طور التجريب حتى الآن، ولم تحقق الهدف المنشود منها، فاليوان الرقمي ما زال انتشاره محدود في الصين، واليورو الرقمي في انتظار تخطى القواعد التنظيمية الأوروبية، والدولار الرقمي يندثر مع الدفعة القوية للعملات المشفرة من صانعي السياسات.
يفرض التسارع التقني على البنوك المركزية التحول من منظم إلى مستثمر، ومن حاكم وحيد للسياسات النقدية إلى منافس في سوق متعدد اللاعبين. كما يفرض عليه إعادة اكتساب الثقة في الأسواق، عبر تخفيض القيود البيروقراطية في التعاملات المصرفية مثل الإقراض، مع أهمية الموازنة مع المخاطر المحتملة، بجانب ممارسة مهامه الأساسية لضبط الأسعار ودعم النمو والتشغيل.
في الختام تجد البنوك المركزية نفسها في مأزق يفرض عليها تطوير أدواتها وتحديث قائمة وظائفها، فلم يعد بإمكانها الاعتماد فقط على الاستقلالية والتقاليد. فمعارك التجارة والجيوسياسة تضفيان ضغوطا على اتخاذ قرارات أسعار الفائدة وبنية الاحتياطي من النقد الأجنبي. بينما تواجه البنوك منافسة لم تشهدها من قبل مع عملات مشفرة تكتسب شعبية سريعة بين كل الفاعلين من صانعي سياسات ومستثمرين، وعليها مواجهة مخاطرها عن طريق منافستها والاستثمار في تقنيات مشابهة تحافظ على قوتها في إدارة النقد والأموال في الاقتصاد. فمستقبل نفوذها أصبح يتوقف على قدرتها على التكيف.
مستشارة اقتصادية
