في صباح السبت 28 فبراير 2026، شهدت أسواق الطاقة العالمية إحدى أبرز الصدمات الجيوسياسية منذ أزمة 1973. بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق ضد إيران، استهدفت البرنامج النووي والصاروخي والقيادة العليا، في محاولة لإحداث تغيير في النظام وأسفرت الضربات عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين، كما دفعت طهران إلى رد فعل فوري بصواريخ باليستية وتهديدات بإغلاق مضيق هرمز.
وبالنظر إلى حجم الحدث فإن ما يحدث ليس مجرد أزمة إقليمية، إنه لحظة تاريخية قد تعيد رسم خريطة إمدادات الطاقة العالمية. فالمنطقة التي تحتضن أكثر من 42% من منابع واحتياطيات النفط العالمية كما المضائق الحيوية والمهمة لتزويد العالم باحتياجاته اليومية من النفط تشكل حجر الزاوية في استقرار أسواق النفط العالمية.
هذه اللحظة التاريخية تشكلت في استهداف منشآت النفط ومرافق اقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي الست دون استثناء، فقدت استهدفت مصفاة رأس تنورة مرتين واستهدفت منشآت قطر للطاقة في راس لفان ومسيعيد وتم استهداف ناقلات نفط قرب موانئ عمان.
شكل هذا الخطر الذي يتعرض له أحد أهم مصادر النفط صدمة كبيرة ما لبثت أن تطورت بإعلان منسوب للحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز. أصبح المضيق نقطة الاختناق الحقيقية، فانخفضت حركة الناقلات بنسبة هائلة، مع رسو أكثر من 250 ناقلة أو تحويل مسارها، كما واجهت بعض السفن هجوماً أثر في مسارها وسلامتها.
ومع هذه التطورات أوقف العراق 1.5 مليون برميل يومياً من إنتاجه بسبب مشكلات التخزين، وأوقفت قطر صادراتها من الغاز المسال وأعلنت تفعيل بند "القوة القاهرة" الذي تنتفي معه القدرة على إيصال الغاز إلى عملائها. الإنتاج الإيراني بدوره شكل صدمة للأسواق فخسارة 3.5 مليون برميل من الإنتاج ستترك أثراً بلا شك في توازن الأسواق.
قبل الضربات مباشرة، كان سعر برنت يتداول حول 72-73 دولاراً للبرميل، ومع افتتاح التداول يوم الإثنين 2 مارس، قفز السعر بنسبة 7-13%، متجاوزاً 82 دولاراً قبل أن يستقر حول 78-79 دولاراً، بيد أن الأسعار ارتفعت بشكل كبير مع الأنباء والتصريحات التي أشارت إلى استمرارية الصراع لمدد أطول مما كانت الولايات المتحدة تخطط له ومع ردة الفعل العنيفة التي أتت من إيران.
ورغم الأنباء التي أتت من المملكة العربية السعودية وإمكانية تصدير نفطها عن طريق بترولاين الخط الذي يربط ساحل المملكة الشرقي بالبحر الأحمر، وهو الخط الذي تم بناؤه بعد حرب الخليج الأولى لتفادي مضيق هرمز آنذاك بعد أن اشتعل الخليج بحرب الناقلات، ورغم وجود أكثر من 33 مليون برميل من خام السعودية في مخزونات خارج ترابها جاهز للتصدير، إلا أن الأسعار قفزت إلى مستوى 94 دولاراً للبرميل بعد أن احتسبت الأسواق النقص المحتمل من العراق واحتمالات امتداد أمد الصراع في المضيق وحوله.
الرئيس الأمريكي وفي محاولة لكبح جماح ارتفاع أسعار النفط صرح بأن الولايات المتحدة هاجمت البحرية الإيرانية، وأكد أنها لم تعد قادرة على مهاجمة ناقلات النفط، كما أكد أن البحرية الأمريكية سترافق الناقلات التي ستعبر المضيق، في محاولة لطمأنة الأسواق ومنع أي ارتفاعات تؤثر في الداخل الأمريكي وفرصه في تحقيق نصر لحزبه في الانتخابات النصفية المقبلة في نوفمبر.
إلا أن مرافقة البحرية الأمريكية لناقلات النفط ليست بالمهمة السهلة، فالتاريخ يعلمنا أن البحرية الأمريكية واجهت تحديات عملاقة عندما فرضت هكذا إجراءات، حيث تعرضت لتفجيرات من ألغام بحرية زرعتها البحرية الإيرانية حولت مياه الخليج إلى نيران مشتعلة أطلق عليها حرب الناقلات آنذاك.
الولايات المتحدة وفي سعيها إلى منع ارتفاع الأسعار قامت أيضاً بإصدار إعفاء للنفط الروسي من توريد مصافي الهند لمدة شهر، حيث أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية السماح المؤقت للهند باستقبال النفط الروسي. ومع كل هذه الجهود حلق خام برنت فوق مستوى 94 دولارا وسجل ارتفاعاً هو الأعلى منذ سبتمبر 2024.
ولعل أسعار النفط مرجحة لمزيد من الارتفاعات ما لم يستجد تطور يخفف علاوة الحرب التي احتسبتها الأسواق وحلولاً تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز وعودة للحصص الإنتاجية للدول المشاطئة للخليج العربي.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة
