السبت, 12 سبتمبر 2026|29 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

قد تشكل المنافسة العالمية المتزايدة على المعادن الحيوية لحظة فارقة بالنسبة لإفريقيا. تُعد القارة بالفعل منتجاً رئيسياً للمعادن اللازمة للتحول في مجال الطاقة - مثل النحاس والكوبالت والمنجنيز - لكنها لا تزال بعيدة كل البعد عن استغلال كامل إمكاناتها. ووفقاً لمعهد "بروكينغز"، تبلغ حصة إفريقيا من الإيرادات المعدنية العالمية 10% فقط، رغم أنها تمتلك 30% من احتياطيات العالم.

وربما توجد ثروات أخرى كامنة تحت الأرض؛ إذ يصعب الجزم بذلك نظراً لأن القارة كانت وجهة لـ 10% فقط من عمليات التنقيب عن المعادن عالمياً في عام 2024، وذلك بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، وهو مؤسسة بحثية أمريكية.

ومع ذلك، من المرجح أن يرتفع هذا الرقم مستقبلاً مع تحول إفريقيا إلى ساحة رئيسية في الصراع العالمي على الموارد، حيث تتنافس الدول الغربية مع الصين للسيطرة على معادن تُعد مكونات أساسية لكل من التقنيات الخضراء ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

فهل تستطيع إفريقيا اغتنام هذه الفرصة المتعلقة بالمعادن؟

لتحقيق ذلك، يتعين على القارة القطيعة مع تاريخ طويل من استغلال مواردها من قبل قوى خارجية.

لقد أرسى الاستعمار الأوروبي لإفريقيا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين دعائم علاقات تجارية غير متكافئة، تمحورت حول استخراج المواد الخام وتصديرها إلى الأسواق الخارجية؛ وهو نمط لا يزال قائماً حتى يومنا هذا.

فمن مزارع المطاط في الكونغو البلجيكية وحقول الذهب في جنوب إفريقيا وصولاً إلى مناجم النحاس فيما يُعرف الآن بـ "زامبيا"، قدم الأفارقة دماءهم وعرقهم ودموعهم، ليجدوا في النهاية أن ثمار جهودهم تذهب لجيوب الملاك الأجانب.

والآن، يدرك عديد من الحكومات الإفريقية أن الطلب العالمي المتزايد بشدة على المعادن الحيوية يمثل فرصة فريدة لتغيير شروط تجارة الموارد.

لنقم ببناء مصهر للمعادن

يتمثل أحد المسارات الواضحة التي يمكن للدول الإفريقية اتباعها لتحقيق قيمة أكبر من قطاع التعدين في بناء مزيد من القدرات الخاصة بمعالجة المعادن.

وقد قدمت إندونيسيا نموذجاً يحتذى به في هذا الصدد؛ إذ حظرت تصدير خام النيكل في 2020، ما أجبر شركات التعدين على الاستثمار في إنشاء مصاهر للمعادن. لقد حققت الاستراتيجية نجاحاً كبيراً لدرجة أن إندونيسيا أصبحت الآن المنتج المهيمن عالمياً، حيث تصدّر مجموعة واسعة من منتجات النيكل، بما في ذلك المعدن المكرر عالي النقاء والكبريتات المخصصة لمصنعي البطاريات. وقد تنبهت الدول الإفريقية لهذا الأمر.

فقد فرضت زيمبابوي قيوداً على تصدير الليثيوم، وغينيا على البوكسيت، وجمهورية الكونغو الديمقراطية على كل من الكوبالت والنحاس؛ وكل ذلك بهدف استغلال المواد الخام لتوسيع القدرات المحلية على المعالجة والتصنيع.

ومع ذلك، فإن العقبات التي تعترض تأسيس مشروع ناجح في مجال المعالجة "كثيرة ومتعددة"، وذلك وفقاً لتحليل مشترك أجرته شركة الاستشارات "CRU" والبنك الدولي في تقرير صدر في شهر يونيو.

إذ لا بد من توفر مقومات صحيحة تشمل إمدادات الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والقدرات الفنية، والسياسات الملائمة، وذلك لجعل هذا النشاط -الذي يتسم عادةً بهوامش ربح منخفضة- مربحاً حتى في ظل انخفاض الأسعار. وفي الواقع، قد تكون هذه العوامل أكثر أهمية من احتياطيات المعادن نفسها.

وخير مثال على ذلك أنغولا؛ فهي تبني مصهراً للألمنيوم في ميناء "بارا دو داندي" (Barra do Dande) رغم أنها لا تمتلك البوكسيت ولا القدرة على معالجته وتحويله إلى "الألومينا"، وهي المادة الوسيطة التي تُستخدم في عملية الصهر.

ممرات النفوذ

تقع أنغولا أيضاً عند الطرف النهائي لأحد أضخم مشاريع البنية التحتية في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ وهو مشروع يحمل تداعيات هائلة على مساعي المنطقة للحد من النفوذ الخارجي في القارة. سيجمع "ممر لوبيتو" بين خطوط السكك الحديدية الجديدة والقائمة لربط "حزام النحاس" في وسط إفريقيا بميناء لوبيتو الأنغولي. ويحظى هذا المشروع الطموح بدعم قوي من كل من الولايات المتحدة وأوروبا. كما أنه يحمل أهمية استراتيجية بالغة.

إذ يوفر ممر لوبيتو بديلاً غربياً للشحن ينافس خط سكة حديد "تازرا" -الذي شيدته الصين- والممتد من زامبيا إلى ميناء دار السلام في تنزانيا. ويعد خط "تازرا" مساراً لنقل جزء كبير من إنتاج المنطقة من النحاس والكوبالت في مستهل رحلتها الطويلة نحو الموانئ الصينية.

وتجدر الإشارة إلى أن شركات صينية تمتلك وتدير بعضاً من أكبر مناجم النحاس والكوبالت في المنطقة، ما يطلق شرارة سلسلة توريد تنتهي بمنتجات نهائية تراوح بين السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين ووحدات تكييف الهواء البسيطة. يُشكّل "ممر لوبيتو" تحدياً مباشراً لتلك الهيمنة؛ إذ يختصر المشروع زمن نقل البضائع من مناجم الكونغو إلى البحر من أكثر من شهر إلى أسبوع واحد فقط، ما يساهم في تقليل المخاطر التي قد تواجه استثمارات القطاع الخاص المحتملة.

وفي المقابل، أعلنت الصين عن التزامها بإنفاق 1.4 مليار دولار لتحديث خط "تازارا" للسكك الحديدية، الذي كانت قد مولت إنشاءه في سبعينيات القرن الماضي.

غير أن "ممر لوبيتو" يَعِدُ بما هو أكثر بكثير من مجرد توفير مسار سريع لنقل البضائع.

يُنتظر أن يشكل هذا المشروع محركاً اقتصادياً بحد ذاته، إذ سيعمل على إنشاء مراكز للأنشطة الزراعية والمعدنية والتكنولوجية على امتداد مساره البالغ طوله 1800 كيلومتر (1120 ميلاً). ولا يقتصر استثمار الشركاء الغربيين في المشروع على البنية التحتية المادية فحسب، بل يمتد ليشمل ما يصفه الاتحاد الأوروبي بـ "الربط المرن" والذي يعني تيسير التجارة، وتوفير التدريب الفني والمهني، والتركيز على خلق فرص عمل محلية.

أصبح النحاس والكوبالت القادمان من الكونغو يُنقلان الآن إلى ميناء "لوبيتو" جنباً إلى جنب مع المنتجات الزراعية الأنغولية القادمة من المناطق الزراعية الرئيسية في البلاد، وتحديداً في مقاطعة "هوامبو". وقد صدرت أنغولا أولى شحناتها من ثمار الأفوكادو إلى أوروبا في نوفمبر الماضي، بفضل منصة للخدمات اللوجستية التجارية يمولها الاتحاد الأوروبي، وبرنامج استثماري بقيمة 50 مليون يورو لدعم سلاسل القيمة الزراعية المستدامة.

ويقدم هذا النهج الشامل تجاه "ممر لوبيتو" وسيلة للخروج من "فخ الموارد" التاريخي الذي تعانيه إفريقيا. فحتى إنشاء مصانع للمعالجة لا يضمن بالضرورة توزيع الثروة داخل الاقتصاد المحلي إذا كانت هذه المصانع تعمل كجيوب اقتصادية منعزلة مخصصة حصراً للتصدير.

ورغم أن معظم إنتاج الكونغو من النحاس أصبح الآن في صورة معدن مكرر عالي النقاء، إلا أن البلاد لا تزال تصدره بالكامل تقريباً إلى الصين لتحويله إلى سلع مصنعة.

التعدين التقليدي

ربما يتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه الدول الإفريقية الساعية لتحويل ثرواتها المعدنية إلى نمو اقتصادي طويل الأمد في كيفية التعامل مع القوى العاملة التقليدية في هذا القطاع. وتشير التقديرات إلى أن نحو 10 ملايين شخص يعملون بشكل مباشر في قطاع التعدين الحرفي وصغير النطاق في إفريقيا، فضلاً عن أعداد أكبر بكثير تعتمد عليه لتأمين سبل عيشها.

لقد مارس الأفارقة التعدين منذ آلاف السنين، وكانت العمليات الجماعية صغيرة النطاق هي السائدة طوال معظم تلك الفترة، ولا سيما في المناطق الريفية التي تندر فيها فرص العمل. يعمل عمال المناجم التقليديون في إفريقيا في منطقة رمادية (أو وضع غير قانوني) بسبب قوانين تعود للحقبة الاستعمارية، والتي تصنّف جميع عمليات التعدين "المحلية" هذه على أنها غير قانونية.

وتتمثل النتيجة في تجريم ملايين الأشخاص، وضياع إيرادات الدولة، ووقوع الشركات الغربية في مأزق أخلاقي؛ إذ تبدي عديد منها حذراً مفهوماً تجاه شراء معادن قد تكون مستخرجة عبر عمليات التعدين الحرفي والصغير النطاق.

والمفارقة تكمن في أن الغرب، إذا أراد الحصول على الكوبالت الكونغولي دون الاعتماد على المشغلين الصينيين، فإنه يحتاج إلى الحصول على المعدن من قطاع التعدين الحرفي والصغير النطاق؛ لكن لا بد أن يقترن هذا المعدن بضمانات تؤكد خلوه من أي ارتباط بانتهاكات حقوق الإنسان.

إن دمج عمال المناجم الأفارقة الأصليين في المنظومة الرسمية يصب في مصلحة الجميع؛ بل إنه قد يمثل بالنسبة لإفريقيا أهم أداة متاحة لتغيير السردية التاريخية القاتمة الملطخة بالدماء والمليئة بالاستغلال.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية