الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 9 أبريل 2026 | 21 شَوَّال 1447
Logo

هل أصبحنا على موعد مع الركود التضخمي ؟

دانية أركوبي
الخميس 2 أبريل 2026 12:43 |3 دقائق قراءة

المرونة والتكامل كانت كلمة السر في تجاوز الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية للعالم أخيرا. بمعنى أن كل فجوة ظهرت في الاقتصاد كان يتم تغطيتها من مصدر قوة جديد. فركود كورونا عالجه إنفاق الحكومات، وتضخم الأزمة الروسية الأوكرانية امتصه نمو الاقتصادات الآسيوية، وأزمات الشحن وسلاسل التوريد بعد اندلاع صراع الشرق الأوسط تم تجاوزها بفضل انتعاش السياحة والتكنولوجيا. كل عامل من هولاء ينسب له الفضل في تجنيب الاقتصاد العالمي تداعيات أكثر صعوبة.

واليوم بدأت التحذيرات تتصاعد من اقترابنا من منحنى أكثر خطورة أو ما يعرف بالركود التضخمي. وهي حالة يضعف فيها النمو وتنتشر البطالة وترتفع الأسعار، وتكون بمنزلة الكارثة على جانبي العرض والطلب، ففي الوقت الذي يتآكل فيه الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية بسبب ارتفاع أسعار السلع والخدمات وانهيار العملات وفقدان الوظائف، تستمر الأسعار في الارتفاع بضغط من تكاليف الطاقة واضطرابات الشحن والإمدادات. هذه الحالة تفقد الأدوات الحكومية التقليدية فاعليتها، فكبح التضخم سيفاقم الركود، ودعم النمو والتشغيل سيؤجج التضخم.

وقد بات الاقتصاد يعيش ويعاني حالة قريبة من سيناريو الركود التضخمي، فقطاع الطاقة يعاني أزمة مركبة، ارتفاع في الأسعار، والأخطر انخفاض الإمدادات بسبب غلق ممرات مائية حيوية. بدأت آثار  هذه الصدمة تظهر في محطات الوقود، وصالات الإنتاج في المصانع، والرحلات الجوية في المطارات، والأنشطة الاقتصادية مع اتخاذ الحكومات تدابير لخفض استهلاك الطاقة.

إذا أضفنا ذلك إلى الرسوم الجمركية والحمائية التجارية، وتعطل سلاسل التوريد واستخدامها كأوراق ضغط، بجانب التوترات الجيوسياسية التي تتوسع يوما بعد آخر وتنتقل من منطقة إلى أخرى، مع ضعف اقتصادي في الصين واليابان وأوروبا بسبب عوامل داخلية مثل انخفاض الاستهلاك والشيخوخة السكانية، واليد المغلولة للحكومات في الإنفاق مع ارتفاع مستويات الدين، بجانب مخاطر التكنولوجيا واستهداف الوظائف البشرية، فإننا نرى وضعا مثاليا لظهور الركود التضخمي.

سبعينات القرن الماضي كانت شاهدة على واحدة من أهم سيناريوهات الركود التضخمي وصعوده للواجهة كمصطلح متعارف عليه اليوم، بعدما قررت أكبر الدول المنتجة للنفط وبخاصة في منطقة الخليج العربي خفض الإنتاج وفرض حظر على صادرات النفط إلى بعض الأسواق الدولية، وهو ما رفع الأسعار بمستويات متسارعة، وضغط على تكاليف الإنتاج والنقل في الاقتصادات الكبرى، وأوجد مزيجاً من التضخم وانكماش النمو الاقتصادي وتآكل التشغيل وقفزة في معدلات البطالة.

تجنب هذا السيناريو القاسي للعالم يحتاج إلى جهود حثيثة تبنى في الأساس على استعادة الثقة والتكامل بين كل الأطراف الفاعلين في الاقتصاد العالمي. وتبدأ من إنهاء الصراعات الجيوسياسية وإعادة الحياة لطرق الشحن الإستراتيجية للسماح بتدفق إمدادات الطاقة وضمان حرية التجارة، سيكون ذلك في المدى القصير قادراً على كبح التضخم وضخ الدماء في شرايين الاقتصاد واستعادة التعافي في أسواق العمل.

هذا الإجراء المؤقت من المهم أن يتبعه العودة إلى إطار يزيل القيود الجمركية التجارية ويسمح بإعادة تدفق رؤوس الأموال بين الأسواق ودعم الإنتاج والوصول للتوازن في حركة الطلب والعرض. وعلى الحكومات أن يتسم سلوكها بالرشاد والعقلانية في الإنفاق ووضع خطط قابلة للتطبيق للتعامل مع أزمة تراكم الديون.

الوصول للركود التضخمي خاصة في الاقتصادات الكبرى يشكل فرصة لإعادة ترتيب المشهد الاقتصادي، بين صعود قوى وتراجع أخرى. وتقف السعودية اليوم في وضع يسمح لها باستغلال الأزمة، سواء عن طريق تعزيز موقعها في سلاسل إمداد الطاقة والصناعات المرتبطة بها، أو جهود التوطين لكثير من المنتجات التي تعتمد على استيرادها من الخارج أو استغلال الموقع الجغرافي لتكون مركزا للنقل والتجارة والمال في منطقة الشرق الأوسط.

في الختام تمر علينا اليوم لحظات مريرة تذكرنا بسيناريوهات قاسية في تاريخ الاقتصاد العالمي ومنها "الكساد الكبير" أسوأ أزمة اقتصادية شهدها عصرنا الحديث. فما نشهده اليوم على الأصعدة الجيوسياسية والاقتصادية والتجارية يصنع إرباكا للحكومات والمستهلكين والشركات.

ولكن ما زال هناك أمل في تجنب السقوط في هوة قد تعصف بالجميع، فالتضخم مشتعل، والنمو يعاني، وأسواق العمل تلتقط أنفاسها بصعوبة. يبدأ الحل من تغليب الحكمة الجيوسياسية واستعادة حرية التجارة، وأن يسود منطق التكامل على الصراع.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية