أ.د. محمد بن عبدالله العضاضي
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الفريد، بل لأنه يمثل شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة العالمية. فعبر هذا المضيق الضيق تمر كميات ضخمة من النفط والغاز يومياً من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، ما جعله على مدى عقود أحد أبرز العوامل المؤثرة في استقرار الاقتصاد الدولي. ولذلك فإن أي توتر سياسي أو أمني في المنطقة ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والأسواق المالية، ويعيد إلى الأذهان أهمية هذا الممر الحيوي في معادلة الاقتصاد العالمي.
وعلى الرغم من أن العالم يشهد اليوم تحولاً متسارعاً نحو مصادر الطاقة البديلة، فإن النفط لا يزال يمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي. فما زالت الصناعات الثقيلة، ووسائل النقل البحري والجوي، والبتروكيماويات، وعديد من القطاعات الإنتاجية تعتمد على هذا المصدر وبصورة كبيرة. ولهذا السبب فإن الأسواق العالمية تتفاعل بسرعة مع أي مؤشرات قد تؤثر في تدفق النفط عبر مضيق هرمز، سواء كانت أحداثاً سياسية أو توترات عسكرية أو تحديات أمنية قد تهدد استقرار حركة الملاحة.
إلا أن المشهد العالمي للطاقة لم يعد كما كان قبل عقدين أو 3 عقود. فالتطورات التقنية المتسارعة، والاهتمام المتزايد بقضايا المناخ والاستدامة، دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في إستراتيجياتها. وأصبحت الطاقة بمختلف أنواعها سواءً تلك الشمسية أو التي تسمى طاقة الرياح أو الهيدروجين الأخضر أو تلك التي تعتمد على البطاريات المتقدمة، تعد من العناصر الرئيسية في خطط التنمية المستقبلية لكثيراً من الدول. كما اننا في عالمنا اليوم نشهد توسعاً متسارعاً في استخدام المركبات الكهربائية، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية للشبكات الذكية وتقنيات تخزين الطاقة.
هذا التحول لا يعني أن العالم يستعد للتخلي عن النفط في المستقبل القريب، بل يشير إلى انتقال تدريجي نحو مزيج أكثر تنوعاً من مصادر الطاقة. فالتاريخ يبين أن التحولات الكبرى في قطاع الطاقة تستغرق عقوداً طويلة حتى تكتمل. فالانتقال من الفحم إلى النفط استغرق عقوداً، وكذلك الأمر بالنسبة للانتقال الحالي نحو الطاقة النظيفة. ومن غير المتوقع أن يختفي النفط من المشهد الاقتصادي العالمي خلال السنوات المقبلة، بل سيظل مصدراً أساسياً للطاقة والصناعة، وإن كان ضمن منظومة أكثر تنوعاً واستدامة.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى مضيق هرمز من زاوية مختلفة. ففي الماضي كان أمن الطاقة يعني ضمان تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية، أما اليوم فقد أصبح المفهوم أكثر شمولاً وتعقيداً.
فإلى جانب أمن إمدادات النفط، أصبح العالم يتحدث عن أمن الشبكات الكهربائية، وأمن سلاسل توريد البطاريات، وتوافر المعادن النادرة المستخدمة في الصناعات التقنية المتقدمة، وقدرة الدول على إنتاج الكهرباء وتخزينها ونقلها بكفاءة وموثوقية عالية. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى تقليل اعتمادها على النفط، تظهر تحديات جديدة مرتبطة بالطاقة البديلة.
فالبطاريات الحديثة تعتمد على معادن إستراتيجية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، كما أن تقنيات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تحتاج إلى سلاسل إمداد عالمية معقدة. وهذا يعني أن العالم لا ينتقل من الاعتماد إلى الاستقلال الكامل، بل ينتقل من نمط من الاعتماد الإستراتيجي إلى نمط آخر أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والابتكار وسلاسل التوريد العالمية.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز السعودية كنموذج متوازن يجمع بين استثمار مواردها النفطية بكفاءة عالية والاستعداد لمتطلبات المستقبل. فمن خلال رؤيتها 2030، تمضي في تنفيذ مشاريع طموحة للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والاستدامة البيئية، بالتوازي مع المحافظة على دورها الريادي في أسواق الطاقة العالمية. ويبرز هذا التوجه فهماً إستراتيجياً لطبيعة المرحلة المقبلة، التي تتطلب تنويع مصادر الدخل والطاقة دون التفريط في المزايا التنافسية التي تمتلكها.
وأرى ان التحدي الحقيقي لا يتمثل في المفاضلة بين النفط والطاقة البديلة، بل في إيجاد التوازن بينهما. فالعالم يحتاج إلى النفط لضمان استمرارية النمو الاقتصادي وتلبية احتياجات قطاعات حيوية عديدة، كما يحتاج إلى الطاقة البديلة لمواجهة التحديات البيئية وتعزيز الاستدامة وتقليل الانبعاثات.
ومن ثم فإن مستقبل الطاقة لن يكون قائماً على مصدر واحد، بل على مزيج متكامل من المصادر التقليدية والمتجددة، بما يحقق التوازن بين الأمن الطاقي والاستدامة الاقتصادية. ولذلك سيبقى مضيق هرمز لاعباً رئيسياً في معادلة الطاقة العالمية خلال المستقبل المنظور، لكنه لن يكون العامل الوحيد المؤثر في هذه المعادلة.
فمع التقدم التقني وتسارع التحول نحو الكهرباء والطاقة النظيفة، يتجه العالم نحو مفهوم جديد لأمن الطاقة تتداخل فيه الجغرافيا مع التكنولوجيا، والموارد الطبيعية مع الابتكار والمعرفة. وفي هذه المرحلة الانتقالية، سيظل النفط والطاقة البديلة شريكين في رسم مستقبل الاقتصاد العالمي، بينما يبقى مضيق هرمز شاهداً على واحدة من أهم التحولات الاقتصادية والإستراتيجية في تاريخ الطاقة الحديث.
أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية
