الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في التعامل اليومي مع عشرات المستثمرين الأجانب، من شركات عملاقة وأفراد ورواد أعمال، تتكشف حقيقة لافتة: هناك هوة بين واقع بيئة الاستثمار في السعودية وبين الصورة الذهنية التي لا يزال بعض من هؤلاء المستثمرين يحملونها عنها.

هذه الفجوة لا تنشأ من فراغ، بل تعود إلى 3  أسباب متداخلة: أولا: جهل حقيقي بطبيعة الأنظمة الحالية، وثانيا: محاولات من بعض الأطراف لتضخيم تعقيدات هي في الواقع محدودة جدًا، وثالثا: الحاجة لإعلام اقتصادي خارجي يسهم في بناء تصور واضح ودقيق عن منظومة الاستثمار.

والنتيجة أن تصورات شريحة واسعة من المستثمرين لا تزال حبيسة صورة الماضي، أو متأثرة بمحاولات متعمدة لتشويه صورة السعودية، رغم أن التحول الذي شهدته بيئة الأعمال خلال السنوات الأخيرة كان جوهريًا وسريعًا.

هذه الفجوة تحديدا هي ما يجب أن تنطلق منه أي خطة إعلامية جادة للترويج للاستثمار في السعودية؛ فالمعركة الحقيقية ليست في إثبات وجود الفرص، بل في تقليص المسافة بين ما تحقق فعليًا على الأرض وما يزال عالقًا في وعي المستثمر الأجنبي.

ولتحقيق ذلك، لا بد من خطة إعلامية متعددة المسارات، تشارك فيها معظم الجهات، تراعي بدقة طبيعة كل بيئة مستهدفة، بدلًا من الاعتماد على رسالة عامة موجهة للجميع دون تمييز.

فوسائل الإعلام الدولية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، مثل "بلومبرغ" و"فاينانشيال تايمز" و"وول ستريت جورنال"، تمثل بيئة تتطلب خطابًا مبنيًا على الأرقام والمؤشرات والإحصاءات والتحليل الرصين، بعيدًا عن الطابع الترويجي المباشر.

فالمستثمر المؤسسي الذي يقرأ هذه المنصات يبحث عن بيانات دقيقة عن سيولة السوق وحجم الصفقات وسلامة الإطار التنظيمي، لا عن شعارات عامة عن "الفرص الواعدة". لذا فإن نجاح أي حملة موجهة لهذه الشريحة يقاس بقدرتها على توفير محتوى تحليلي عميق، مدعوم بشراكات مع مراكز أبحاث ومحللين موثوقين، وبفتح قنوات تواصل مباشرة مع المحررين الاقتصاديين في هذه المؤسسات، بدلًا من البيانات الصحافية العامة التي نادرًا ما تجد طريقها إلى صفحاتهم.

أما المؤتمرات والفعاليات الدولية، من "مبادرة مستقبل الاستثمار" إلى منتديات دافوس ونيويورك ولندن، فتمثل فرصة مختلفة؛ إذ يكون التأثير هنا مباشرًا ولحظيًا، ويعتمد على الحضور الشخصي والتفاعل مع صناع القرار الاستثماري، حضور ما قبل الحدث، وما بعد الحدث.

وهنا يصبح دور الإعلام مكملًا لا بديلاً، من خلال التغطية الحية، وإنتاج محتوى بصري يوثق قصص نجاح فعلية لمستثمرين حاليين في السوق السعودية، بما يمنح الحضور شعورًا بمصداقية قائمة على تجارب واقعية لا على وعود مستقبلية فحسب.

كما أن تنظيم لقاءات ثنائية مباشرة على هامش هذه الفعاليات، بين المسؤولين السعوديين والمستثمرين المحتملين، يضاعف الأثر الإعلامي، إذ تتحول التغطية الصحافية من مجرد سرد لفعالية عامة إلى توثيق لصفقات ونقاشات فعلية قابلة للمتابعة لاحقًا.

وثمة بيئة أخرى بالغة الأهمية عادة ما تُهمل في الخطط التقليدية، وهي التقارير الدولية ومنظمات التصنيف العالمية، مثل مؤشرات التنافسية الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وتقارير وكالات التصنيف الائتماني كـ"موديز" و"ستاندرد آند بورز".

فهذه الجهات لا تتأثر بالحملات الترويجية المباشرة، بل تعتمد منهجيات بحثية صارمة، ما يستدعي تواصلًا مؤسسيًا مستمرًا وتزويدها بالبيانات المحدثة أولًا بأول، إلى جانب لقاءات دورية توضح آخر التطورات التشريعية قبل صدور هذه التقارير، لا بعدها.

 فتحسن ترتيب السعودية في مؤشر عالمي واحد قد يكون له أثر إعلامي وترويجي يفوق عشرات الحملات الدعائية المباشرة، لأن هذه التقارير تحظى بثقة مسبقة لدى المستثمرين المؤسسيين باعتبارها مصدرًا محايدًا لا يخضع لاعتبارات ترويجية.

كذلك، لا يمكن إغفال دور الصحف والمجلات الاقتصادية المتخصصة، التي تمثل جسرًا بين القرارات الرسمية والجمهور المستهدف من رجال الأعمال ومديري الاستثمار. فهذه المنصات تحتاج إلى محتوى تفسيري يشرح خلفيات القرارات وتبعاتها العملية، لا مجرد نقل الخبر كما هو، مما يستدعي بناء علاقات طويلة الأمد مع المحررين الاقتصاديين، بدلًا من إرسال البيانات الصحافية موسميًا.

إن نجاح الخطة الإعلامية الاستثمارية للسعودية يكمن، في جوهره، في إدراك أن كل بيئة من هذه البيئات تتحدث لغة مختلفة، وتتطلب أسلوبًا مختلفًا في المخاطبة والإقناع. فالرسالة الموجهة لصحافي اقتصادي تختلف عن تلك الموجهة لمحلل في وكالة تصنيف ائتماني، كما تختلف عن الخطاب المناسب لمستثمر فردي يتابع منصات التواصل الاجتماعي.

ومن هنا، فإن بناء خطة إعلامية متعددة المسارات، مدروسة لكل بيئة مستهدفة، لم يعد ترفًا، بل ضرورة إستراتيجية لتسريع تقليص الفجوة بين الصورة الذهنية القديمة والواقع الاستثماري الجديد الذي تعيشه السعودية اليوم.

وكلما تحرك هذا الخطاب الإعلامي بسرعة توازي سرعة الإصلاحات نفسها، تراجعت مساحة الشك التي يستغلها البعض، وأصبح صوت الحقيقة أعلى من صدى الصورة القديمة، لتجد السعودية نفسها في موقع المتحدث الأول عن قصتها، لا في موقع من يدافع عن نفسه أمام رواية غيره.

مدير مركز رياميديا للاتصال والعلاقات العامة، وعمل مدير تحرير في عرب نيوز ومجلة المجلة اللندنية، ومستشارا إعلاميًا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية