الأحد, 6 سبتمبر 2026|23 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

من القواعد البسيطة في عالم الشركات أن من يضع رأس المال يملك حق اختيار من يراقب إدارته. لكن Anthropic تقدم نموذجاً مختلفاً؛ فالشركة التي تستعد للاكتتاب العام  بتقييم يقترب من تريليوني دولار لديها Long-Term Benefit Trust، وهو كيان مستقل يضم أمناء لا يملكون أسهماً فيها ولا يشاركون في أرباحها، ومع ذلك يتمتع بصلاحيات في اختيار وعزل أعضاء من مجلس إدارتها، وصولاً إلى التأثير في تشكيل أغلبيته وهذا نموذج فريد قليل التطبيق.

السؤال هنا ليس إن كان هذا النموذج أفضل من الحوكمة التقليدية، فهذا لم يختبر بعد، بل لماذا رأت الشركة الحاجة إلى تجربة نموذج مختلف أصلاً؟

حوكمة الشركات بنيت حول مشكلة واضحة: المساهم يملك الشركة لكنه لا يديرها يوميا، ولذلك ينتخب مجلساً يراقب الإدارة ويحمي رأسماله. لكن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيدا عندما لا تتوقف آثار قرارات الشركة عند مساهميها وعملائها. فالاقتصاد يسمي التكلفة أو المنفعة التي تقع على أطراف خارج المعاملة «أثراً خارجياً». وكلما اتسعت هذه الآثار، أصبح قياس نجاح القرار بأرباح الشركة وحدها أقل قدرة على وصف نتيجته الاقتصادية الكاملة.

العالم عاش تجربة قريبة  من ذلك مع البنوك. فالمخاطرة التي تبدو قراراً بين البنك ومساهميه قد تنتقل عند تعثر مؤسسة كبيرة إلى المودعين والائتمان والوظائف والاقتصاد. ولهذا تطورت متطلبات رأس المال والسيولة واختبارات الضغط والرقابة الخارجية. المقارنة لا تجعل شركات الذكاء الاصطناعي بنوكاً، لكنها تطرح المبدأ نفسه: ماذا يحدث عندما تمتد نتائج القرار إلى أطراف لم تشارك في اتخاذه؟

لا يوجد حتى داخل قطاع الذكاء الاصطناعي جواب واحد. Anthropic تجرب الفصل جزئياً بين الحق في العائد والحق في الرقابة، بينما تسيطر مؤسسة غير ربحية على الشركة التشغيلية في OpenAI ولها أيضاً مصلحة اقتصادية فيها، في حين تعتمد شركات تقنية أخرى على أسهم فائقة التصويت تمنح المؤسسين سلطة تتجاوز حصتهم الاقتصادية. نماذج مختلفة تحاول معالجة سؤال لم يستقر القطاع على إجابة له.

وتزداد المسألة تعقيداً مع المنافسة. فقد يرى هيكل حوكمة ما أن نموذجاً جديداً يحتاج إلى أشهر إضافية من الاختبار، بينما يستطيع منافس آخر إطلاق نموذجه خلالها. عندها يصبح التحفظ ذا تكلفة اقتصادية محتملة تتمثل في خسارة العملاء والمواهب ورأس المال والحصة السوقية. والمنافسة التي تسرع الابتكار قد تجعل التوازن بين السرعة والاحتياط أصعب أيضاً.

لكن منح جهة مستقلة سلطة إضافية لا يحل المعضلة تلقائياً، بل يطرح سؤالاً جديداً. فإذا كان المساهم قد يميل إلى العائد القصير، فما الذي يضمن أن تقدير مجموعة صغيرة من الأمناء للمصلحة العامة سيكون دائماً أفضل؟ ومن يراقب من يراقب مجلس الإدارة؟ ولهذا يتضمن هيكل Anthropic نفسه آليات تسمح، بشروط مشددة، بتعديل سلطات الـTrust، كما تصفه الشركة صراحة بأنه تجربة قابلة للتعلم والتعديل. في زاوية أخرى ما الذي يقلق خبراء الذكاء الصناعي من نماذجها ولماذا اتجهت نحو حوكمة مستقله أثر القطاع وقوته واسعه و مرعبة.

وربما تكون أهمية التجربة في السؤال الذي تطرحه أكثر من الإجابة التي تقدمها. طوال عقود انشغلت حوكمة الشركات بكيفية حماية المساهم من قرارات الإدارة، لكن شركات قد تتجاوز آثارها الاقتصادية والاجتماعية حدود ملكيتها تضيف سؤالاً أصعب: كيف تؤخذ مصالح من سيتأثرون بقرار الشركة وهم لا يملكون سهماً فيها؟ لا نعرف بعد إن كان نموذج Anthropic سيقدم إجابة مقنعة، لكنه يكشف بوضوح عن أن السؤال لم يعد نظرياً: من يحكم الشركة التي قد تغيّر العالم؟

الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية