في 2024، تحوّل صافي الأصول الأجنبية للبنوك التجارية السعودية إلى السالب للمرة الأولى منذ 1993، ليسجل عجزًا قدره 34.2 مليار ريال بنهاية العام. ولا ينبغي قراءة هذا التحول بمعزل عن مؤشرات المتانة المالية للقطاع المصرفي؛ فقد حافظ القطاع على مستويات قوية من رأس المال والسيولة، فيما ظلت الاحتياطيات الأجنبية الرسمية عند مستويات كافية لدعم الاستقرار المالي.
لكن أهمية هذا التحول لا تكمن في الرقم وحده، بل في علاقته بتطور هيكل التمويل في الاقتصاد السعودي، وتنوع مصادر رأس المال مع اتساع الاحتياجات الاستثمارية للقطاعات الاقتصادية المختلفة.
ويعكس هذا التطور جانبًا من التحولات التي يشهدها الاقتصاد السعودي مع اتساع الدورة الاستثمارية وتنوع احتياجات القطاعات والمشاريع. ومع امتداد هذه الدورة، تزداد أهمية تنويع مصادر رأس المال ومواءمة آجال مصادره مع طبيعة الاستثمارات، بما يدعم كفاءة تخصيص الموارد واستمرارية الاستثمار عبر الزمن. وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: كيف يتطور هيكل التمويل بما يتناسب مع طبيعة الاستثمار، ليس من حيث حجمه فقط، بل من حيث مدته ودورة رأسماله؟
فهناك فرق اقتصادي جوهري بين رأس المال العامل الذي يدور خلال أشهر، وتمويل مشروع صناعي أو بنية تحتية أو أصل سياحي قد يحتاج سنوات قبل أن يصل إلى مرحلة التدفقات النقدية المستقرة. وكلما كان أجل التمويل أكثر اتساقًا مع دورة الأصل، انخفضت الحاجة إلى إعادة التمويل، وأصبح هيكل رأس المال أكثر ملاءمة لطبيعة النشاط الاقتصادي.
وهنا تتجاوز القضية التمويل بمعناه المباشر إلى كفاءة تخصيص رأس المال في الاقتصاد. ويرتبط ذلك بالمنظور الوظيفي الذي طرحه الاقتصادي روبرت ميرتون، والذي ينظر إلى التمويل من خلال الوظائف الاقتصادية التي يؤديها، ومنها تخصيص الموارد وإدارة المخاطر ونقل الموارد عبر الزمن، بدل الاقتصار على المؤسسات التي تقدم هذه الوظائف. ومن هذه الزاوية، لا يُنظر إلى التمويل باعتباره عملية تنتهي عند تمويل الأصل، بل باعتباره جزءًا من دورة اقتصادية تنتقل فيها الموارد مع تغير الاحتياجات ونضج الأصول.
ومع انتقال الاقتصاد السعودي نحو دورة استثمارية أكثر تنوعًا، تصبح كفاءة تخصيص رأس المال جزءًا من كفاءة الاقتصاد نفسه. فالمطلوب ليس توفير التمويل لبدء المشروع فقط، وإنما مواءمة مصادر رأس المال مع مدة الاستثمار وتوقيت التدفقات النقدية وطبيعة المخاطر، بما يسمح بإعادة توجيهه مع نضج الأصول وظهور فرص استثمارية جديدة.
وتوضح التجارب الدولية أهمية هذه المواءمة. ففي أزمة كوريا الجنوبية 1997، أسهم الاعتماد المرتفع على التمويل الخارجي قصير الأجل في زيادة هشاشة النظام المالي عندما تراجعت قدرة المقرضين على تجديد الالتزامات، ما أبرز مخاطر تمويل احتياجات طويلة الأجل بمصادر قصيرة الأجل.
وفي المقابل، تقدم ماليزيا مثالًا على اتساع قاعدة رأس المال وتعدد قنوات الاستثمار. ففي 2025 بلغ حجم سوق رأس المال الماليزي 4.3 تريليون رينغيت، فيما بلغت أصول إدارة الأصول 1.14 تريليون رينغيت. وتعكس هذه المستويات اتساع قاعدة رأس المال المؤسسي وتعدد القنوات التي تتيح توجيه الموارد إلى استثمارات وأدوات مختلفة، وبآفاق زمنية تتناسب مع طبيعة الاحتياجات الاستثمارية.
وفي المملكة، تتسع قاعدة رأس المال وتتطور القنوات التي تسهم في توجيه الموارد المالية نحو الاستثمار. فقد تجاوزت أصول إدارة الأصول 1.2 تريليون ريال بنهاية 2025، بينما بلغ إجمالي قيمة الصكوك وأدوات الدين المدرجة 713.4 مليار ريال، كما بلغت حصيلة الطروحات من الصكوك وأدوات الدين للشركات 50.7 مليار ريال خلال العام نفسه. وتعكس هذه التطورات اتساع قدرة الاقتصاد على توجيه رأس المال عبر أدوات وآفاق زمنية مختلفة، بما يدعم الاستثمار ويعزز كفاءة استخدام الموارد.
وتزداد أهمية تدوير رأس المال مع اتساع حجم الاستثمارات وتنوع القطاعات والمشروعات. فعندما ينضج الأصل ويبدأ في توليد تدفقات نقدية مستقرة، يمكن إعادة توظيف رأس المال المرتبط به في استثمارات جديدة. ويتيح التوريق، على سبيل المثال، تحويل التدفقات النقدية المرتبطة بأصول قائمة إلى أدوات قابلة للاستثمار، بما يساعد على تحرير رأس المال وإعادة توجيهه، لتصبح دورة الاستثمار أكثر استمرارية وكفاءة.
وتبرز هنا أهمية رأس المال طويل الأجل، الذي يتناسب مع اختلاف الآفاق الزمنية للمشاريع. ويتجسد ذلك في الدور الذي يؤديه صندوق الاستثمارات العامة بوصفه مستثمرًا طويل الأجل يوجه رأس المال إلى قطاعات ومشاريع إستراتيجية، ويسهم في تطوير قطاعات جديدة وتعزيز الشراكات الاستثمارية. وفي 2025، بلغت أصوله المدارة نحو 3.4 تريليون ريال، فيما وصلت استثماراته المحلية التراكمية خلال الفترة 2021–2025 إلى نحو 750 مليار ريال، كما بلغت مساهمته 11% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للسعودية في 2025. ويتسق ذلك مع رؤية السعودية 2030 وبرنامج تطوير القطاع المالي، من خلال تنويع مصادر التمويل والاستثمار، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتطوير سوق رأس المال بما يدعم النمو الاقتصادي والاستثمار طويل الأجل.
ومن هنا تبرز 3 مسارات عملية:
أولًا: توسيع قاعدة رأس المال طويل الأجل.
وذلك من خلال زيادة دور المستثمرين المؤسسيين ومديري الأصول في تمويل المشاريع طويلة الأجل، بما يتيح مواءمة أفضل بين مدة التمويل ودورة الاستثمار، ويعزز قدرة الاقتصاد على تمويل الأصول ذات الآفاق الزمنية الممتدة.
ثانيًا: رفع كفاءة إعادة تدوير رأس المال.
وذلك عبر تطوير التوريق، وتوسيع سوق أدوات الدين، وتعزيز كفاءة الأسواق الثانوية، بما يسمح بتحرير رأس المال من الأصول الناضجة وإعادة توجيهه إلى مشاريع واستثمارات جديدة.
ثالثًا: ربط الهيكلة التمويلية بدورة المشروع.
بحيث تُبنى القرارات التمويلية على مدة التنفيذ، وتوقيت التدفقات النقدية، وطبيعة المخاطر، وأفق العائد، وليس على حجم التمويل وحده. ويساعد ذلك على خفض مخاطر إعادة التمويل ورفع قدرة المشاريع على الاستمرار عبر دوراتها الاستثمارية المختلفة. فالاقتصاد لا يستفيد من رأس المال بمجرد توافره، وإنما من قدرته على الانتقال بكفاءة بين الاستخدامات الاستثمارية مع تغير الاحتياجات ونضج الأصول. فتمويل الأصل هو بداية دورة رأس المال، وليس نهايتها.
مستشارة في السياسات الاقتصادية والتخطيط الإستراتيجي

