الاثنين, 5 أكتوبر 2026|22 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بدأت الثورة الصناعية الأولى في بريطانيا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، قبل أكثر من قرنين ونصف تقريبًا، وكان الفحم وقودها الرئيسي، فيما أصبح المحرك البخاري أحد أهم الأدوات التي حولت طاقة هذا الفحم إلى حركة تدير الآلات. وكانت فكرته بسيطة؛ يُحرق الفحم لتسخين المياه، فيتولد البخار الذي يحرك الآلات. ومع تطور هذه المحركات، توسعت استخداماتها وأصبحت جزءًا أساسيًا من التحول الصناعي الذي غيّر شكل الاقتصاد والحياة في ذلك الزمن.

وفي 1865، لاحظ الاقتصادي البريطاني ويليام ستانلي جيفونز مفارقة غريبة؛ فكلما تحسنت كفاءة المحركات البخارية، احتاجت إلى كميات أقل من الفحم لأداء العمل نفسه. وكان المتوقع أن يؤدي ذلك إلى انخفاض استهلاكه، لكن انخفاض تكلفة تشغيل هذه المحركات وسّع استخداماتها في المصانع والمناجم والقطارات والسفن، فازداد الطلب على الفحم بدلًا من أن ينخفض. ومن هنا ظهرت ما نعرفه اليوم بـ«مفارقة جيفونز»: زيادة كفاءة استخدام مورد ما قد تؤدي، على عكس المتوقع، إلى زيادة استهلاكه.

واليوم، بعد أكثر من قرن ونصف، يبدو أننا أمام مفارقة مشابهة، لكن هذه المرة مع الذكاء الاصطناعي. وقد يتصور البعض أن تطبيقاته تنحصر في برامج المحادثة وتوليد النصوص والصور، لكن الحقيقة أنه يمتد إلى أبعد من ذلك بكثير؛ من اكتشاف الأدوية وتشخيص الأمراض، إلى إدارة المصانع وشبكات الكهرباء، وتطوير السيارات ذاتية القيادة، وحتى اكتشاف حقول النفط وتحسين إنتاجها. وكلما أصبحت هذه التقنيات أكثر كفاءة وأقل تكلفة، توسعت استخداماتها وتطبيقاتها ودخلت قطاعات جديدة في الاقتصاد، وكل هذا التوسع يدفع بطبيعة الحال نحو زيادة الحاجة إلى الطاقة.

ولإعطاء تصور عن حجم هذا الاستهلاك، قدرت وكالة الطاقة الدولية استهلاك مراكز البيانات عالميًا بنحو 415 تيراوات ساعة في 2024، وتوقعت أن يرتفع إلى نحو 945 تيراوات ساعة بحلول 2030، أي نحو استهلاك دولة صناعية كبرى بحجم اليابان. وهذه الأرقام تكشف عن جانب من حجم الطلب على الطاقة الذي قد يصاحب هذه الثورة التقنية.

لكن الكهرباء ليست القصة كاملة. فما يبدو لنا عالمًا افتراضيًا على شاشات هواتفنا، يقف خلفه عالم مادي ضخم من مراكز البيانات والخوادم وشبكات الكهرباء وأنظمة التبريد. وهذه البنية لا تستهلك الكهرباء فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى كميات كبيرة من المعدات والكابلات والعوازل والمكونات الإلكترونية والمواد الخام.

لكن أين النفط من كل ذلك؟

زيادة استهلاك الكهرباء لا تعني بالضرورة زيادة الطلب على النفط؛ فمراكز البيانات تعتمد على الكهرباء المنتجة من مصادر مختلفة، كالغاز الطبيعي والطاقة المتجددة والفحم والطاقة النووية. ولذلك قد لا يكون النفط المستفيد المباشر من هذا النمو. لكن النفط يدخل الصورة من زاوية أخرى؛ فهو ليس مجرد وقود يُحرق في السيارات والطائرات والسفن، بل مادة خام تدخل مشتقاتها في آلاف المنتجات، من البلاستيك والعوازل إلى أجزاء من المعدات والأجهزة والبنية التحتية.

وهنا نصل إلى فكرة جوهرية في مستقبل النفط؛ فهو لن يتوقف على استخداماته التقليدية، بل سيتأثر أيضًا بالأسواق والصناعات الجديدة التي تخلقها التكنولوجيا. وليس المقصود هنا أن الذكاء الاصطناعي سيزيد الطلب على النفط بالضرورة، ولكنه قد يقلص الطلب عليه في قطاع معين، بينما يفتح له آفاقًا جديدة في قطاعات أخرى. ولذلك أقول إن مستقبل النفط لا يُقاس فقط بما قد يتوقف العالم عن استهلاكه منه، مثل وقود السيارات، بل أيضًا بما قد يبدأ العالم في صناعته منه من مواد ومنتجات تحتاج إليها صناعات المستقبل.

وهذا بالطبع يقودنا إلى أهمية تطوير استخدامات جديدة للنفط، سواء بتحويله إلى مواد كيميائية أو إلى مواد بديلة تدخل في صناعات مختلفة وترفع القيمة المضافة لمواردنا الطبيعية. وهذا التوجه يحظى باهتمام واضح على أكثر من مستوى في السعودية؛ فمن الجانب الحكومي هناك برنامج استدامة الطلب على البترول، الذي يعمل تحت مظلة اللجنة العليا لشؤون المواد الهيدروكربونية برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس الوزراء،  وعلى الجانب الصناعي تقود شركات وطنية جهودًا كبيرة في هذا المجال، وفي مقدمتها أرامكو السعودية من خلال تطوير تقنيات تحويل النفط الخام إلى كيميائيات، إلى جانب التوسع في المواد اللامعدنية المشتقة من الهيدروكربونات، والتي تشرفت شخصيًا بالعمل على بعض تطبيقاتها. وهو مجال واسع يمكن أن يمتد إلى البناء والبنية التحتية وقطاعات صناعية متعددة.

إذن، فالدرس الذي تركه جيفونز قبل أكثر من 150 عامًا لا يزال يستحق التأمل اليوم. فالتكنولوجيا لا تلغي بالضرورة حاجتنا إلى الموارد، لكنها تغير الطريقة التي نستخدمها بها، وقد تفتح أمامها أسواقًا لم تكن موجودة من قبل. وبالنسبة إلى النفط قد لا يحتاج إليه العالم مستقبلًا بالطريقة نفسها التي اعتدنا عليها، لكنه قد يجد له استخدامات لم نكن نتخيلها!

أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية