الخميس, 15 أكتوبر 2026|3 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

من شاشات البورصات إلى خزائن الاستثمار حتى أرصفة الموانئ، بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل محركات الاقتصاد. فلا يكاد يخلو مؤتمر أو ندوة أو اجتماع حكومي من مناقشة قطاع رسم أسطورته من القدرة على إعادة تشكيل كل صغيرة وكبيرة في حياتنا المستقبلية.

من الإنتاج في المصانع إلى قيادة السيارات في الشوارع حتى التعليم والصحة وأسواق العمل. هذه الشعبية حولت القطاع إلى مركز جذب تتدفق عليه الأموال والاستثمارات من كل حدب وصوب، وأنتج لنا  في فترة ضئيلة عشرات المليارديرات، ودفع صادرات دول للنمو بمعدلات نمو ذات 3 خانات.

قد تكون نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر شهرة باعتبارها المنتج النهائي للمستهلك، ولكن هناك سلسلة توريد كاملة تمثل حجر الزاوية لتنفيذ تعليماتنا اليومية على "Chat GPT" أو غيره. أشباه الموصلات هي المثال الأبرز، في آسيا أضافت شركات صناعة الرقائق في تايوان وكوريا الجنوبية والصين واليابان مئات المليارات من الدولارات إلى قيمتها السوقية بفضل الطلب غير المسبوق على منتجاتها مثل رقائق الذاكرة ، في ظل طفرة بناء مراكز البيانات.

هذا الطلب ليس مرحليا وإنما أيضا مرتبط بعقود مستقبلية بفضل صفقات بعشرات المليارات مع مطوري الذكاء الاصطناعي. انعكس ذلك بقوة على ربحية الشركات وحجم الصادرات والنمو الاقتصادي. في يوليو 2026 قفزت صادرات كوريا الجنوبية السلعية بنحو 63% لتسجل 99 مليار دولار، الطفرة جاءت بفضل نمو صادرات أشباه الموصلات بنسبة 179%، لتسجل نحو  41 مليار دولار أو ما يعادل نحو 42% من صادرات البلاد. ارتفاع صادرات التقنية تعكس تحول أوسع في الاقتصاد، يعيد تشكيل التجارة والاستثمار تجاه قطاعات تكنولوجية ذات قيمة مضافة أعلى، بجانب إعادة تكييف النماذج الاقتصادية لكثير من الدول مع هذه التطورات.

في أسواق التمويل والاستدانة هناك لاعبون رئيسيون مثل الحكومات، ولكن في نهاية 2025 وبداية 2026 ظهر لاعب جديد في السوق.  شركات التكنولوجيا الكبرى وبخاصة في الولايات المتحدة، التي تخطط لإنفاق رأسمالي قياسي بهدف تشييد بنية تحتية للذكاء الاصطناعي مثل مراكز البيانات ومحطات الطاقة، بجانب تمويل عملية الاستحواذ على الشركات الناشئة. هنا لا نتحدث عن أرقام معتادة، ولكن أرقام قياسية لم تعرفها شركات من قبل. على سبيل المثال رصدت 4 شركات وهي  "ألفابت" و"ميتا بلاتفورمز"و"مايكروسوفت" و"أمازون" نحو 2.4 تريليون دولار من الإنفاق الرأسمالي لبناء شبكة متكاملة من البنية التحتية للقطاع في السنوات المقبلة.

هذا الإنفاق سيأتي عن طريق الاستدانة، وهنا تظهر مخاطر تركز التمويل في قطاع واحد وعدد محدود من الشركات. يخلق هذا التركز أزمة مزدوجة، فاستحواذ تلك الشركات على نسبة كبيرة من التمويل المتاح سيؤدي إلى أزمة سيولة في الأسواق ستضرر منها فئات متنوعة، من الحكومات في الأسواق الناشئة، إلى الشركات المتوسطة والصغيرة ذات الحيز المالي المنخفض.

إضافة إلى أن عوائد الإنفاق غير مضمونة، فالذكاء الاصطناعي برغم قوته على المستويات الشعبية والحكومية إلا أنه ما زال غير قادر على بناء نماذج إيرادات تحقق الربحية، وذلك يولد شكوكا حول القدرة على سداد الالتزامات من المقترضين.

التشتت ورغبات السيطرة تضفي مزيد من المخاطر على استمرارية وحيوية وشمولية القطاع. ففي طفرة صناعة الإلكترونيات والإنترنت في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي كان التنافس بين الولايات المتحدة والقوى الآسيوية مثل اليابان وكوريا بجانب أوروبا قائم على تنافسية التكامل، أسهم ذلك في تعزيز الابتكار وسهولة انتقال رؤوس الأموال وفتح الأسواق للتجارة. ولكن العكس يحدث اليوم وبخاصة بين الولايات المتحدة والصين، فالمنافسة احتكارية وليست تكاملية، يصنع ذلك سلسلة من التعقيدات التي  تعرقل الاستفادة من المعرفة المشتركة وتقيد الوصول إلى الصادرات المتقدمة، وتضغط على المستثمرين.

هذا التشزدم يصنع بين الحين والآخر هزة وعدم استقرار في الأسواق، فظهور نموذج اصطناعي صيني قادر على إحداث خسائر بمليارات الدولارات لشركات التكنولوجيا في آسيا وأمريكا، والعكس في حالة إقرار إجراءات تقيد وصول الشركات والمؤسسات الصينية إلى تقنيات متقدمة.  

في الختام يحتاج العالم إلى جهود مشتركة لتنظيم وحوكمة الذكاء الاصطناعي، وبناء قواعد تضمن تقاسم العوائد، كما تتقاسم المخاطر. قواعد تضمن عدم تركز التمويل والابتكار في تلك التقنية، وتضمن لمجتمعات الأعمال عدم توغل الذكاء الاصطناعي وتسهل الوصول لرأس المال والقدر اللازم من الدعم الحكومي.

قواعد تجنب الأسواق فقاعات وموجات تصحيح ترهق الأسر وتلتهم المدخرات وتربك أسواق العمل، وتذكرنا بمآسي يريد العالم نسيانها مثل فقاعة الدوت كوم والأزمة المالية العالمية في 2008.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية