الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 12 مارس 2026 | 23 رَمَضَان 1447
Logo
شركة الاتحاد التعاوني للتأمين7.22
(-2.04%) -0.15
مجموعة تداول السعودية القابضة140.8
(0.28%) 0.40
الشركة التعاونية للتأمين127.7
(-0.47%) -0.60
شركة الخدمات التجارية العربية110.2
(-0.45%) -0.50
شركة دراية المالية5.23
(0.97%) 0.05
شركة اليمامة للحديد والصلب35
(-0.96%) -0.34
البنك العربي الوطني21.04
(0.19%) 0.04
شركة موبي الصناعية11.3
(0.00%) 0.00
شركة البنى التحتية المستدامة القابضة33.1
(3.96%) 1.26
شركة إتحاد مصانع الأسلاك16.26
(-0.79%) -0.13
بنك البلاد26.62
(-0.60%) -0.16
شركة أملاك العالمية للتمويل10.35
(-0.58%) -0.06
شركة المنجم للأغذية48.78
(-0.45%) -0.22
صندوق البلاد للأسهم الصينية11.66
(-0.17%) -0.02
الشركة السعودية للصناعات الأساسية57.95
(0.78%) 0.45
شركة سابك للمغذيات الزراعية136.1
(0.44%) 0.60
شركة الحمادي القابضة25.88
(0.31%) 0.08
شركة الوطنية للتأمين12.06
(-1.23%) -0.15
أرامكو السعودية27.3
(0.52%) 0.14
شركة الأميانت العربية السعودية12.97
(-0.99%) -0.13
البنك الأهلي السعودي40.48
(0.20%) 0.08
شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات32.36
(1.38%) 0.44

من البيروقراطية «الرقمية» إلى البيروقراطية «الذكية»

بكر الهبوب
الأربعاء 11 مارس 2026 13:55 |3 دقائق قراءة

بكر عبداللطيف الهبوب

لم تختفِ البيروقراطية حين غادرت الورق، بل أعادت إنتاج نفسها في هيئة أكثر أناقة وأشد صمتًا. انتقلنا من الطوابير والأختام إلى المنصات الرقمية والقرارات الآلية، لكن المعضلة الجوهرية بقيت "ماذا يفعل الإنسان حين لا تنطبق عليه القاعدة الإجرائية؟" الجديد أن البيروقراطية الحديثة لا تتلكأ فقط، بل أحيانًا لا ترد أصلًا، لأن الطرف الآخر لم يعد موظفًا يمكن محاورته، بل نظامًا مغلقًا لا يرى إلا ما بُرمج على رؤيته.

البيروقراطية الرقمية «Digital Bureaucracy» تعني نقل القواعد إلى الخوارزميات وأتمتة الإجراء لتحقيق السرعة والاتساق. أمَّا البيروقراطية الذكية «Smart Bureaucracy» تعني إعادة تصميم تلك الخوارزميات بحيث تفهم أثر قراراتها، وتسمح بالمراجعة، وتتعلم من الاستثناء؛ فالأولى تُحسّن التنفيذ، والثانية تُعيد تعريف العدالة الإدارية.

في الفكر الإداري الكلاسيكي، كانت البيروقراطية أداة لتنظيم السلطة وضبط العدالة عبر القواعد. ومع الحوكمة الحديثة ثم الحكومة الرقمية، انتقلت القواعد نفسها من الأدلة الورقية إلى الخوارزميات، وظهرت أنظمة اتخاذ القرار المؤتمتة التي يُفترض أن تضمن السرعة والاتساق. لكن الإشكال ليس في الأتمتة نفسها، بل في الفجوة بين ما يُتَصوَّر أن يحدث وما يحدث فعليًا على أرض الواقع.

في علم التميز التشغيلي، يُوصف هذا التباين بالفارق بين «العمل كما يُتَصوَّر» و«العمل كما يُنفَّذ فعليًا». في الأول، تُصمَّم السياسات والإجراءات من منظور مثالي «امتثال كامل، مسارات واضحة، ومعايير صارمة تُرضي التقارير ومجالس الإدارة». في الثاني، وهو الواقع التشغيلي، يعمل الناس تحت ضغط الوقت، وقيود الموارد، وتنوع الحالات. هنا يظهر التكيّف، والحلول الالتفافية، والاجتهاد اليومي لإنجاز العمل رغم عيوب النظام. الموظف في الخط الأمامي يرى الإنسان قبل القاعدة، أما الخوارزمية فترى القاعدة فقط.

هنا يظهر الفرق الجوهري بينهما «الرقمية» تُبرمج القاعدة، أما «الذكية» فتُصمّم مساحة الاستثناء. الرقمية تفترض أن الواقع يجب أن ينطبق على النموذج، أما الذكية فتُقرّ بأن النموذج ناقص بطبيعته. حين تُبنى الأتمتة على «العمل كما يُتَصوَّر» وحده، تصبح أقل مرونة من البيروقراطية التقليدية. الخلل ليس مجرد خطأ تقني، بل غياب مسار إنساني للتفسير والاستثناء. كثير من الشكاوى عالميًا لا تنبع من القرار الآلي نفسه، بل من استحالة الطعن فيه أو فهم منطقه، فتتآكل الثقة ... قرار سريع، «نعم»، لكنه غير قابل للنقاش!.

لهذا، انتقل النقاش عالميًا من تحسين الخوارزميات إلى تنظيمها؛ ولم يعد السؤال عن دقة القرار الآلي بقدر ما هو عن مشروعيته وقابليته للمساءلة. وهنا يتجسد الفرق بين البيروقراطية الرقمية والبيروقراطية الذكية في بعده القانوني هل الرقمية تكتفي بإنتاج القرار الآلي، أما الذكية فتُلزم نفسها بمساءلته؟

وفي هذا السياق، قدّمت التجربة الأوروبية نموذجًا مبكرًا لتحويل هذا الحق من مبدأ أخلاقي إلى التزام قانوني؛ إذ كرّست اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) حق الأفراد في عدم الخضوع لقرارات مؤتمتة بحتة في الحالات الجوهرية، مع ضمان تدخل بشري وتفسير مفهوم، قبل أن يُلزم قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act) الأنظمة عالية المخاطر بمراجعة بشرية فعلية.

هنا يُفتح فصل جديد في «الرقابة الإدارية»، حيث لم تعد المراجعة بين بشر فقط، بل امتدت إلى مساءلة الآلة نفسها وحوكمة الخوارزميات ومسؤولية مطوريها. غير أن المسألة ليست تقنية فحسب، بل شعورية أيضًا؛ فحين يعجز المستخدم عن فهم القرار أو الطعن فيه، تتآكل ثقته بالمنصة مهما بلغت كفاءتها.

النظام الذكي لا يعمل بكفاءة دون ذكاء تنظيمي يراقبه ويضبط مساره؛ يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بيئة مؤسسية تتعلم من الأخطاء والتجربة الميدانية، لا من البيانات وحدها. هنا تتكامل التقنية مع القيم، وتتحول الرقمنة من أداة إلى ثقافة، والحل ليس في التراجع، بل في إدخال «نقطة استئناف بشرية» ضمن التصميم الرقمي ذاته، بحيث تصبح المراجعة جزءًا أصيلًا من الهندسة التشغيلية. هكذا يتجلى الذكاء المؤسسي كمزيج يهذب الخوارزمية بالخبرة بدل أن يقدّسها.

البيروقراطية الرقمية تسأل: «هل نُفِّذ الإجراء؟» أما البيروقراطية الذكية فتسأل: «هل تحققت العدالة؟»، فمن منظور التميز التشغيلي، سدّ هذه الفجوة لا يكون بمزيد من القواعد، بل بمزيد من الفهم. المنظمات المتقدمة لا تسأل «من أخطأ؟» بل «كيف جعلنا الخطأ ممكنًا؟» ولا ترى التباين البشري عبئًا يجب القضاء عليه، بل مصدر المرونة والصمود. عندها فقط ننتقل من بيروقراطية رقمية تُنفّذ، إلى بيروقراطية ذكية تُدرك؛ من نظام يحكم بالإجراء، إلى نظام يحكم بالمعنى.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية